الجمعة، 11 أكتوبر 2013



تحليل قصيدة يوم أرشق: نزار الديماسي

المراحل
التحليل
المقدمة
التمهيد
× يعتبر الجهادُ جهادا متى قابل المسلمون في الحروب ذوي الأديان الأخرى لذلك يمدحهم المادحون بينما مدح أبي تمام للأفشين وللمعتصم في قصيدتنا "يوم أرقش" يتم بمناسبة حرب هي في حكم الفتنة الداخلية...
× لطرح المعاني الحماسية يستعين الشاعر بألوان عديدة من القول منها الأسلوب السردي الذي يتبعه أبو تمام في قصيدة " يوم أرقش " 
التوثيق

الموضوع
تعريف الشاعر تعريفا موجزا ( تاريخ مولده ووفاته وكثرة تنقله بين مصر ودمشق والعراق وبلاد فارس وثقافته الموسوعية.)
عدد أبيات القصيدة تامة ثمانية وثمانون بيتا[13] مناسبتها الانتصار على بابك الخرمي والقضاء على فتنته التي أزعجت الحكم العباسي طيلة إثنتين وعشرين سنة.
يمدح أبو تمام المعتصم بمناسبة نصره على بابك خدمة للإسلام  ومناسبة إلحاقه المهانة بأسيره وإذلاله
مراكز الاهتمام
× بنية النص وعلاقة الاستهلال بالغرض الأصلي
× الداعي إلى تقسيم حرب المعتصم لبابك أنها حرب الإسلام ضد الكفر
 × المعاني الحماسية وأساليبها قبل الأسر وبعده
× آثار القضاء على الفتنة الخرمية على الدين وعلى المعتصم
الوحدات
حسب المنحى السردي:
× البيتان الأولان :  المقدمة  × حتى البيت الثالث عشر ما قبل الأسر : صورة بابك هائما في الأرض للتوقي من الممدوح
× البقية ما بعد الأسر : تمثيل المعتصم ببابك
بنية النص وعلاقة الاستهلال بالغرض الأصلي
× نلاحظ أن المعاني الواردة في بيتي المطلع متعددة فيهما تحول بين حال وحال ولكن الرابط السببي يوضح سبب التحول ونتيجته
× السبب غضب المعتصم للدين وغيرته عليه ومداهمته للمغامرة بلا أي اعتبار ولا خوف رغم أنها صعبة المنال ( الطباق )
× النتيجة قوة العزم تذلل الصعوبات : حيث يهزم الإيمان الشرك
الترابط المنطقي بين البيتين الأولين يعكس ترابطا من درجة أعلى بين الإجمال والتفصيل في باقي النص : انتشار المعاني الواردة في المطلع وتوزعها في مساحة القصيدة الباقية مما يعلن أننا أمام ترابط وثيق بين المقدمة الاستهلالية والغرض الأصلي بخلاف القصيدة الكلاسيكية حيث نعرف الاستقلال ظاهرا بين المقدمات والغرض الأصلي فكيف يبدو انعكاس المعاني الواردة في النص على المعاني الحماسية؟
الداعي إلى تقسيم حرب المعتصم لبابك أنها حرب الإسلام ضد الكفر




× أساس العمل في هذه المرحلة أن أبا تمام ينظر إلى المعتصم باعتباره مثال القائد المدافع عن حرمة الإسلام ضد التهديدات الخارجية من الروم والتهديدات الداخلية فتنة الخرمية التي تسوق إلى قيم تحررية متطرفة تتعارض كليا مع القيم الإسلامية والعربية .
× يقصد الشاعر وهو يمدح المعتصم أن يرسم الشخصية العربية المثال: من لا تستسلم للأوضاع التي تتأزم وترفض أن يمس الدين أي تغيير لأصله. لذلك فإن المعتصم جعل همه الدفاع عن الحضارة العربية يقطع الطريق أمام الروم عند تجرؤهم على المدن القريبة إليهم من جهة ويخمد الثورات خاصة ما بدا منها داعيا إلى قيم حرمها الإسلام من مثلما هو الحال مع بابك من جهة أخرى.
× لئن كانت حرب المعتصم ضد قوة داخلية فإن أبا تمام يعتبرها حرب جهاد بين الشرك والإيمان لأن ما كان يروج من قبل دعاة السلطة آنذاك أن الفتنة الخرمية قد قامت ضد الوجود العربي الإسلامي وتسترجع المبادئ المجوسية لعبدة النار وتنشر للفسق والتفسخ بنشر الفساد وعدم الاستجابة إلى أي حرمات ولا تتورع عن إعمال السيف ضد المسلمين حتى أن ما يروى عن عدد القتلى مدة الصراع بين الخلافة والرافضين من أتباع بابك أكثر من مائتي ألف قتيلٍ.
× لهذا عد الوصول إلى بابك الخرمي رغم إعيائه المستمر للخلافة مطلبا عاما فيه خدمة للدين وتفع للمسلمين وتم اعتبار السيطرة وأسره حدثا تاريخيا تقامُ لأجله الأفراح وتلقى بسببه التهاني فيصبح من واجب شاعر القصر أن ينظم قصيدته يهنئ فيها أصحاب الإنجاز ويخلده
المعاني الحماسية وأساليبها قبل الأسر وبعده




















× يتبع الشاعر في التعرض للأطوار التي مر بها الصراعُ بين المعتصم وبابك أسلوب السرد الذي استخدم له أدوات مناسبة منها: النواسخ الفعلية ( كنت ، كان، فأصبحا ، مازال ...) للدلالة على التحولات الحاصلة في مراحل الصراع.ومنها الجمل الفعلية في صيغة الماضي تنقل الأحداث المختلفة ومنها لما الظرفية المخبرة عن التحول بين السابق واللاحق وبين حدثين متزامنين.
× أساليب السرد مختلفة لأن الموضوع الذي يتناوله الشاعرُ يختص بالمطاردة المستوجبة حقا للحركة بين ظهور واختفاء و كر وفر وبحث واستدراج وهو ما يطيل أمد المطاردة فما هي مراحل المتابعة؟
× مرحلة الحرب والنصر: النداء يستخدم للتضخيم والتعظيم يخصان يوم أرقش لأهميته التاريخية ولأن الحياة بعده لن تكون كما كانت.
- الجناس بين أرشق ورشق منية: التناسب بين اسم موقع الحرب وما تلقاه الأعداء من إصابات الرشق حتى أسهمت في إضعافهم.
- الازدواج المعنوي باستعمال " أدلجوا " و " أسرى" المعبرتين عن السير  ليلا ليعكس الجلد والصبر و الشجاعة والمفاجأة
- المقابلة بين سلوك جيش الخلافة يشمر عن السوق كناية عن الشجاعة وسلوك الأعداء يسبلون اللباس والدروع كناية عن الجبن
المعطيات جميعها تثبت الاختلاف بين الجيشين وتفوق المعتصم وجيشه على بابك وجيشه مما سيضطره إلى أن يلوذ بالهروب.
× مرحلة الهروب والاختفاء: اعتماد التزامن بين اكتشاف بابك للحقيقة وهروبه ليظهر في صورة الغباء مادام لا يقدر الأمر من البداية.
- الفرار عند بابك قرار وعزيمة[14] لكنه مبني على الخوف والجبن على خلاف قرار المعتصم وعزمه المطاردة انعكاسا لشجاعته وصبره..
تعتمد الصورة في مرحلة الهروب والاحتماء بالمواقع الوعرة  على التمثيل فكأننا بفريسة مذعورة تتنقل من مخبإ إلى آخر تتجنب الوقوع في مخالب قناصها فكيف يتصرف المطارد عندما لا يكتفي بالنصر ويطلب أن يقضي على هدفه؟
× مرحلة الاستدراج: في وقت المطاردة يمكن الفوز بالفريسة متى استدرجتها وهو ما كان من نصيب بابك الذي تحصن بالجبال والأماكن الوعرة واحتمى بالطبيعة. وحتى يمكن الإمساك به أغراه المعتصم أو الأفشين بالنزول إلى الأراضي السهلة وتمكن منه وأسره
× للتعرض إلى المطاردة والاستدراج استخدم الشاعر بعض الأساليب الإيقاعية من جناس وترديد ( حزن أحزانه ، موصل الأوصال) انعكاسا للمرحلة نفسها حيث أن الاستدراج عند القيام به يستدعي إيقاعا خاصا في الحركة وفي الصوت وحتى النظر. إلى جانب الإيقاع يستعمل الشاعرُ التصوير معتمدا المبالغة لإحلال الهيبة على الجيش في مداهمته لبابك وسيطرته عليه ومستعملا التشبيه كأسراب القطا لنفس الغرض حتى يدلل على الكثرة والهيبة وإصابة الهدف.
× مرحلة الأسر: زمن الأسر قبل الزوال ، الحدث القبض على بابك  السبب هفواته وغباؤه.
- الجناس أدى وظيفة معنوية بين زمن الزوال وزوال بمعنى نفاذ وانتهاء النعيم ليبدأ زمن الشقاء
- تغيير النعيم بالشقاء : يقدمه الشاعر في صورة المفجوع المختل في البيت الثامن عشر حتى تحول طالبا الموت ليرتاح وهو من كان لا يرضى إلا بالملك.
- تكرار استعمال المفعول فيه بواسطة لما حتى يخدم الشاعرُ العرض بين حالين إحداهما في الماضي حيث عرف النجاة وثانيهما في الحاضر حيث يعرف المهانة . لهذا يكثر الشاعر من الأمثلة ليضرب به المثل في الغبن والانتقام والحمق( ب19+20+21+ 22  )
التأليف الجزئي
تميز المقطع بالثراء والتداخل بين المعاني والأساليب مع أن الرابط بينها التدرج الزمني المتتبع لمراحل الصراع بين الخلافة وفتنة بابك الخرمي فلاحظنا الاختلاف بين القائدين أحدهما المعتصم امتلك حكمة القياد وشجاعتهم وإصرارهم على الهدف وعدم الرجوع عنه حتى منتهاه حتى لا تنبت له حياة جديدة بينما غريمه اتصف بالمكر والجبن فلم يعتمد على نفسه ولكنه كان يتخذ المخابئ ملاذا له في حين أن من لا يعول على نفسه ويعيش عيشة الحيوان بلا كرامة ولا عزة نفس فلا بد له من نهاية شنيعة كنهاية بابك لكن المعتصم ألا يبدو مبالغا في الانتقام وهو الذي يقدم في النصّ باعتباره ذائدا عن الدين؟
آثار القضاء على الفتنة الخرمية على الدين وعلى المعتصم
يتضح من البيتين الأخيرين صورتان : - صورة الخصب قبل أسر بابك أرض الإسلام مجدبة وبعده الأرض خصبة ونفس الأمر للصورة النورانية حيث تتحول بلاد الإسلام من  الظلمة إلى النور مشبها الواقع هذا بالتحول في الخلافة قبل أسر بابك وبعده.
× مثل هذا الكسب للخلافة وللإسلام يفترض اتباع الأصول الدينية والالتزام بأحكام الدين ووصايا الرسول وأن يبتعد المسلم عن التشفي وعن روح الانتقام لكن المعتصم مع ما يظهر في عهده من خدمة للدفاع عن التهديدات الموجهة للدين نراه في الحرب يلتزم بقوانينها ولا يقف عند الضوابط الدينية فهل يعني هذا أن الوصايا المعروفة عن النبي تجاوزتها الأحداث وأصبح النجاح في الحروب عائدا إلى مدى قدرة المحاربين على التنكيل بأعدائهم؟
التقييم
نلاحظ في ما قدمنا من مدح ومن معاني أن أبا تمام يقف من أعمال المعتصم جميعها موقف المبارك الممجد حتى ما ظهر منها أنه يتجاوز الحدود الإنسانية والكرامة البشرية كعملية التشفي  والتمثيل ببابك الخرمي بعد القبض عليه وهو ما يطرح علينا قضية دور الشعر هل يكتفي بدور التزيين للواقع أو هل يمكن أن تكون له وقفة نقدية تجاه ما يحصل؟ ويطرح علينا قضية العلاقة التي تربط بين شاعر البلاط والأمير أو الخليفة : هل هي علاقة تبعية دائمة؟
التأليف الكلي
نرى أن الشاعر أبا تمام قد وفق في قصيدته يوم أرشق أن يتدرج بنا في المحاور فيجمع فيها ما دار في مدة طويلة : تحول من الحرب إلى المطاردة فالاستدراج فالقبض على بابك فالتمثيل والقتل وأدخل في ظل ذلك أهم المعاني الحماسية كحسن القيادة والإصرار على الهدف والشجاعة وعلو الهمة وخدمة الدين مستخدما الآليات الفنية المعروفة عن أبي تمام دوما كطرق التعظيم والمبالغة بالصور والإيقاعات الموظفة لغرض المدح والاحتفال بالمناسبة العظيمة لتوظيفها توظيفا دينيا تظهر شخصية الممدوح لا يصدر في حربه عن هوى في نفسه بل مصرا على الدفاع عن القيم الإسلامية والعربية وحمايتها من الاندثار
الخاتمة
أنشأ أبو تمام قصيدته على أساس الترابط بين معانيها وأقسامها عاكسا الترابط في الواقع بين الممدوح وحربه وهدفه دفاعا عن الوجود الإسلامي قيما وأخلاقا ضد الكفر والشرك لكننا نراه يبرر ما يصدر عن الممدوح من أفعال هي بدورها تعد خارجة عن القيم العربية والإسلامية. فماهو الدور الذي يمكن للشعر أن يضطلع به في ظل علاقة الشاعر بالسلطة وفي ظل انتمائه إلى حضارة معادية لحضارة منافسة  تناصبه العداء؟

نزار الديماسي




 تحليل قصيدة : الكريم الحر ليس له عمرُ: نزار الديماسي

المراحل
التحليل
المقدمة
التمهيد
× إن الشعر لا تعييه الحيلةُ : في حال النصر يمدح المتفوقين ويفردهم بصفات المجد وفي حال الهزيمة الشاعر يستعيد ذات معاني المدح ويعيرها للقائد المرثي بحلة تضع اعتبارا لتغيير المقام كما في قصيدة " كذا فليجل الخطب وليفدح الأمرُ"
× إذا مجد الشعراء الممدوح اعتبروهم متملقين يطلبون المال ولكن هؤلاء الشعراء أنفسهم تجدهم عند الرثاء يكررون نفس المعاني كأبي تمام يرثي محمد بن حميد الطوسي فهل ننزع عنه الصدق؟
× باستعمال المبالغة في التصوير والتضخيم قد ينفلت المعنى ونتعدى المقصود ، لكن أبا تمام في شعره المدحي يبالغ في اعتماد الصور الشعرية وكذلك نجده في قصيدته الرثائية " الكريم الحر ليس بحر"   
التوثيق والموضوع
عاش أبو تمام في فترة الصراعات ضد الروم وضد الخرمية والمعروف عنه أنه مناصر لقضايا أمته.
القصيدة جزء مقتطف من قصيدة ذات ثلاثين بيتا ألفها أبو تمام بعد قتل محمد بن حميد الطوسي من قبل أتباع الخرمية الذين بذل في قتالهم البلاء الحسن حتى أنه كما يقال قد استعمل تسعة سيوف : كلما قطع له سيف منشدة الضرب عوضه بآخر.
× يرثي الشاعر محمد بن حميد الطوسي ذاكرا فضائله في الصمود ومتحسرا على فقدانه تحسر قبيلته والكون كله
مراكز الاهتمام
× معاني التفجع وخصائصه الفنية والأسلوبية × أهلية القائد للتفجع في شأنه × التعزي
الوحدات
حسب ما يسبق فاء النتيجة وما يلحقها: حتى البيت التاسع التفجع نتيجة مناقب الشهيد في حياته أما البقية فالتفجع نتيجة الموت الذي داهمه
معاني التفجع وخصائصه الفنية والأسلوبية


















× يجري أبو تمام قصيدته على بحر الطويل خلافا للقصيدتين في المدح التين سبق أن تناولناهما بالتحليل: حيث استعمل الشاعر بحر الكامل. هذا يعني أنه يختار الكامل المعروف باعتباره من البحور الخفيفة فيكون مناسبا للمدح التابع لمناسبة النصر والفوز بينما البحر في قصيدتنا هذه من البحور المركبة يتميز بطول النفس يناسب الحالة التي عليها شاعرنا ليفضي لنا ما في نفسه الملتاعة.
× القافية : حرف الراء المناسب في حالات المرارة هذا الحرف له ميزته أنه ذو صوت مكرر ولا يخفى ما في المناسبة من تكرار الحزن
× تكرار الحزن نفهمه مع كل مأثرة أو فضيلة يتذكرها الشاعر فتولد لديه الحزن من جديد أو تثيره. ذلك رأينا أنه انعكس على الإيقاع الخارجي ونراه في ذات الوقت ينعكس على الإيقاع الداخلي حيث تعترضنا أصوات متكررة حروفا مفخمة كالصاد والضاد والراء والطاء والقاف... وكلمات متنوعة: ذكر الفتى ثلاث مرات و فعل مات كذلك ثلاث مرات ومرتين مع كلمة النصر ثم كلمة الكفر نفس الحال مع الجناس في البيت الثاني بين السفر والسفر ومع التشقيق اللفظي في استعمال الجذر ( ش؛ ط ؛ ر ) في البيت الرابع  والجــــذر ( ض؛ر؛ب ) .
× مثل هذا الغنى في الإيقاع نقدر أنه إيقاع حزن وما كثرته إلا انعكاس لشدة التفجع من جهة ولتضخمه مع كل ذكرى من جهة أخرى
× الصور الشعرية تشترك مع الإيقاع في نقل ما ذكرناه من ألم التفجع :
- صورة الخطب أو المصيبة : حيث نلاحظ عدم اهتمام أن أن يرتفع الخطب والأمر إلى أعلاه مستقبلا لأن ما يقع في الحاضر من مصيبة عظمى تكون قد قضت على أي نظر لغيرها لذلك تأتي الصورة المائية تتحدث عن الدمع كالماء يفيض لمصاب موت المرثي  لاعتباره فارسا ساعدا يحمل الآمال للمسلمين وللعرب. هذا تبرير التشجيع على الأحزان وعلى الخطوب [15]
- صورة الآمال: جعل الشاعر للآمال عمرا كالإنسان انتهى بموت الفارس المرثي وهذا يوضح مدى التلازم بين المرثي والآمال
- صورة كونية: تصل المبالغة عند أبي تمام إلى اعتبار أن الحركة الكونية في تعاقب الليل والنهار قد تعطلت. ونتيجة ذلك تقف جميع الأنشطة البشرية بما فيها حركة السفر وحركة الحرب التين كنا عنهما بالجناس " السفر والسفر " الذين عادا بلا رابط بينهما.
- صورة الحزن والضحك: نتبين هنا المقابلة بين حزن قبيلة المرثي من جهة على فارسها وافتخارها به من جهة أخرى لأنه يمثل عزتها وفخرها إذ أخبار بطولاته تتجاوز حدود قبيلة طي لتمتاز بالشهرة وينتشر أمرها بين القبائل وهو ما يسوقه الفعل "ضحكت"[16]  في البيت3
- صورة الفتى: تكرار كلمة الفتى يحمل أكثر من دلالة منها التحسر على موته ومنها الإشارة إلى موته في سن مبكرة ومنها أنه يمتاز في عصره حيث تجاوزنا مفهوم الانتماء للقبيلة إلى الانتماء للأمة الإسلامية : يمتاز ببطولته وبأخلاقه.
- كأننا بذكر الفتى ثلاث مرات انتقلنا من التعريف بالخطب الجليل إلى التعريف بالشخصية  وكأننا بالشاعر يسعى إلى وضع بورتريه خاص بالقتيل يخلده أو هو ينحت له تمثالا يشهد له ولكن الأداة هنا تختلف ليست الريشة أو المسمار بل هي اللغة والعبارة.
- ملامح الشخصية: فتى شهم يجمع إلى بأسه الكرم، موت الفتى ليس هزيمة بل نصر يخلد ذكراه،
- الفتى الشجاع: الصورة التي تبرز للمرثي في البيتين السادس والسابع صورة الفارس المستبسل في القتال لا يرضى لنفسه أن  يفر من أرض المعركة مع أن الإقدام على الهروب سهل يجلب لمحمد الطوسي النجاة غير أن نفسه عالية وترفض أن توجه لها عبارات الاتهام بالجبن والضعف فكان منه أن تمثل قول:  "نحن قوم ننتصر أو نموت" فصمد في ساحة الوغى وضرب وكان يضرب بسيفه حتى إذا قطع أبدله بغيره فيقال إنه استعمل في ذلك اليوم في قتاله تسعة سيوف واختار مواجهة أعدائه رغم فرار من معه وقاتل قتالا مشرفا.
- قاتل من الصبح عند الشروق حتى الغروب حتى مات سيفه واعتل رمحه وهنالك كان اجتماع الأعداء عليه وضربوه ضربة رجل واحد
- المرثي كان يعد الحياة في ظل الفرار كما يرد في الكنايتين "الحفاظ المر والخلق الوعر" لأن ذلك يجلب له العار الذي تعافه نفسه.
التأليف الجزئي
يبدو أن الشاعر قد جمع في الوحدة الأولى ما يملكه فنيا إيقاعا وتصويرا وبديعا حتى يحاكي ما أصاب الأمة وقتها من خسارة ليس لها من تعويض فبارك القيم التي برزت عنده منها ما رأينا من معاني الحماسة المتمثلة في الصمود والاستبسال والشجاعة وعلو الهمة في مقابل العار والفرار والنجاة من الموت [17] فنفوز بحكم ذلك بصورة كاملة عن القائد الشامخ الذي يشرفه موته ويكون المثال لغيره. لكننا قد يثيرنا ما بدا عند أبي تمام ما بدا منه سعيا للإحباط عن الجهاد وعن القتال بعده فهل يبرر الحزن على الفقيد مثل هذه الدعوة؟
أهلية القائد للتفجع في شأنه
× نرى التفجع لا يصيب الشاعر وحده بل يذكر المتفجعين كلهم فإذا دائرتهم تتسع من الراثي فردا إلى قبيلته بني نبهان  جمعا إلى العلى والجود والشعر قيما إنسانية فاضلة.
× المقصد هنا أن شاعرنا خسارة فـُـجِعت فيه الإنسانية لنقدر من ذلك أنه فوق الناس فضلا ورفعة وهو ما يذكره لنا الشاعر في طريقتين:
- غير مباشرة بواسطة الاستفهام الدال على التيئيس من الصبر بعد موت المرثي ذلك أن ما نصبر عليه قد نعوضه في حين الفقيد في هذه المرة لا تعويض له.
- مباشرة في الوصف الوارد في البيت الخامس عشر: عذب الروح ومتواضعا رغم أنه رفيع : هنا لسنا أمام بشر بل أمام ملك
- الموازنة في البيت السادس عشر : يظهر أنه مات وهو وحيد فر الجنود وخذلته الخيل وأعاقته السيوف وأدارت الحرب ظهرها له.
× نتيجة فقدان محمد الطوسي تعطل أدوات الحرب وسلاحها لم تعد بواتر بل أصبحت مبتورة وكذلك الحرب لم يعد لها جمر يشعلها. وظف الشاعر لأداء هذا المعنى المقابلة في البيت السابع عشر في إطار عرض زمني يقابل بين زمني الماضي والحاضر.
التأليف الجزئي
لا شك أن الشاعر قد تناول من الصفات التي ألقاها لمرثيه حتى يظهر في صفاء روحه وفي قتاله وفي موته فريدا لا يتسنى إيجاد من يعوضه ومن يعيد أفعاله فيحق بذلك أن يتفجع عليه كل الخاسرين بشرا وقيما فكان موته فوزا له وخسارة لمن دونه فلمن تدق طبول الحرب بعده.؟
التعزي
ينقسم التعزي حسب البيتين الثامن عشر والذي بعده إلى دعاء على الغيث نفسه بالغيث مما يعني أنه مهما علا شأنه فإنه في قبره يبقى الإنسان الذي يحتاج رحمة الله به. وبعد الدعاء نجد إقرار الشاعر بالنهاية الحتمية فيودعه وداعا نهائيا وينهي بيته بحكمة تلخص شخصية الرجل ونهايته أنه عاش حرا كرينا وفي النهاية عمره قصير وكأن كل جميل ليس له اكتمال.
التقييم


التأليف الكلي
لاحظنا أن التفجع على الفقيد بلغ حدا مغاليا مبالغا كأنه يقطع مع الحياة ومع الاستمرار بسبب فقدان المرثي مع أن الدين الإسلامي يدعو إلى التوازن[18] وأن أبا تمام في كم من موضع كنا نجده متبنيا للقضايا الإسلامية مدافعا عن الدين . قد  نفسر ما برز من الشاعر في تضخيمه لصورة المرثي أنه لم يكن ينزع نحو تزيين صورته فحسب بل كان يطلب في رثائه رسم تلك الشخصية المرجعية المثال والنموذج التي ينبغي أن يكون لها عند المسلمين نسخ عدة لا تقف عند فارس واحد إذا فقدناه فقدنا وإياه الفضائل . تكون حسب ما ذكرنا المبالغة ويكون التضخيم وسيلتين نحو تحقيق غاية سامية. عندئذ قد نقول إن أي وسيلة مشروعة مادامت الغاية نبيلة ً
تنوعت الإيقاعات في القصيدة داخليا وخارجيا بحسب ما يتناسب مع غرض الرثاء، وتعددت الصور المركبة والمختلفة ذات المنحيين الخيالي والتضخيمي لإيصال صورة عن المرثي أنه يفوق أهل عصره خصالا حربية وخصالا اجتماعية تكمل تميزه الحربي فإذا بالأمثلة المذكورة عن محمد بن حميد الطوسي تجعل منه ميتا يفتقده أهل قبيلته وأمته إضافة عن القيم وعن الأخلاق وعن الفن الشعري . لتبرز لنا في نهاية رسم البورتريه  للشخصية المذكورة أننا أمام نموذج مثال مشتهى يرجى تكراره في الحياة العربية . هذا ما نؤكد أنه يستجيب مع وظيفة الشعر.
الخاتمة الحوصلة
حفلت القصيدة بالمعاني الحماسية والحربية التي تظهر فرادة المرثي وتفوقه باعتماد وسائل إيقاعية وتصويرية ساعدت على تبليغ ما يراد إبرازه عن الشخصية في ذاتها أولا ثم في نموذجها المشترك المطلوب تحقيقه. غير أن المبالغات ظهر أنها أخلت بتوازن الأحزان عند المسلمين وفهمنا أنها تقصد إلى غاية تحفيز العرب للاقتداء بمثاله فهل تحقق القصيدة تأثيرها الوجداني والسلوكي عند قرائها؟
نزار الديماسي




[13]  يلقب الخليفة العباسي المعتصم بالله : بالمثمَّن لأنه :ثامن خلفاء بني العباس وولد في شهر شعبان وهو الشهر الثامن حكم ثمان سنين وثمانية أشهر 
وله فتوحات ثمانية. وقتل ثمانية : بابك ، والأفشين ،ومازيار ، وباطيس ، ورئيس الزنادقة ، و عجيفاً ، وقارون ، وأمير الرافضة .ورزق بثمانية بنين وثماني بنات.وخلّف من الذهب ثمانية آلاف دينار ، وثمانية عشر ألف ألف درهم ، وثمانين ألف فرس ، وثمانية آلاف مملوك ، وثمانية آلاف جارية ، وبنى ثمانية قصور .وبلغت ثروته ثمانية عشر ألفاً وتوفي وعمره 48 عاماً  فهل يكون لرقم ثمانية في العدد البالغ لأبياتها صلة بلقبه ( مع علمنا أن بعض الأرقام لم يصلها الخليفة عند تأليف القصيدة)؟
[14]  يبنى البيت السابع على حكاية عن أبي سمال الأسدي " ضلت له ناقة فقال أيْمُنك إن لم تردها علي لا عبدتك فوجدها وقد نشب حبلها في شجرة فقال علم ربي أنها مني إصري.( عزمي )
[15]  يذكر البيت الأول بما قاله عمر بن الخطاب حينما توفي خالد بن الوليد سيف الله المسلول وهو المعروف بشدته ومعارضته كل ما هو متجاوز لتعاليم الدين كالبكاء المفرط على الموتى بما قاله عمر بن الخطاب حينما توفي خالد بن الوليد سيف الله المسلول:" دع نساء بني مخزوم يبكين على أبي سليمان ، فعلى مثل أبي سليمان تبكي البواكي "
[16]  البيت نفسه يذكر بما ورد عند ابن قبيلته طي في الجاهلية حاتم الطائي الذي يقول: أماوي إن المالَ غاد ٍ ورائح * ويبقى من المال الأحاديثُ والذكرُ
[17]  نفس ما يقوله المتنبي في حكمته :  عش عزيزا أو مت وأنت كريم    بين طعن القنا وخفق البنود
[18]  مات الرسول فقال أبو بكر الصديق قولته المشهورة:" ألا من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت." وكذلك فإن الرسول لما مات ابنه حزن ولكنه ردد :" إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإننا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون."

الجمعة، 27 سبتمبر 2013


تحليل قصيدة: فتح عموريّة مدحا للمعتصم: نزار الديماسي
إن ذكر الشخصيات التاريخية وإنجازاتها شعرا  لا يعكس منحى الشاعر إلى التوثيق للأحداث كما هي وإنما هذا الشاعر يتلقفها كما كانت ليعيد إنتاجها ويصدرها إبداعا فنيا وفق رؤيته لا يسجل فيها ما مضى ولكنه يؤسس أو يرسخ قيما وانطباعات ومواقف[1] تضاف إلى الشخصية الرمزية يقول أبو تمام:
(ولولا خلال سنها الشعرُ ما درى :...: بغاة العلا من أين تؤتى المكارمُ)
أبو تمام صاحب القصيدة المدحية :  " فتح الفتوح " ذات الأربعة الواحد والسبعين بيتا ألفها بمناسبة الحدث الهام أو الإنجاز الكبير المتمثل في الانتقام من الروم وهزمهم وعقابهم بسبب ما صدر منهم من إهانات قصدوا بها شخص الخليفة نفسه ، وشرف العرب جميعهم بعد سبي الآلاف من النساء وقطع آذان الرجال وأنوفهم وسمل عيونهم وبعد إلحاق الدمار والهدم بمدن الثغور وزبطرة  مسقط رأس المعتصم وبلاد أهله لأمه. عكس أبو تمام هذا الحدث في قصيدته فسخر من المنجمين، وعظم النصر وأبرز آثاره على صاحبه وعلى العرب والإسلام في مقابل الإذلال اللاحق بالأعداء.
فما الدافع الذي قاد الشاعر وحمسه لينظم القصيدة؟ وما وراء سخريته من المنجمين من جهة ومقارنتهم بالفرسان من جهة أخرى؟ وكيف احتفل الشاعر بالنصر وبين آثاره على الخليفة وعلى الدين كله في مقابل آثار الهزيمة على الأعداء؟
  
تنقسم القصيدة إلى ثلاث وحدات نوزعها حسب أسلوب الخطاب فنجد في الأبيات الثلاث الأولى سيطرة الأسلوب الحكمي الذي يستغله للتهكم على المنجمين والاعتراف بقيمة الحروب أما الوحدة الثانية فيسيطر عليها الاستناد إلى الوقائع التاريخية ليهتم في ظل ذلك بتخليد الحدث المنجز وتمجيده وتبقى الوحدة الأخيرة ذات الأبيات الخمس المتبقية  يقع فيها التركيز على المعاني الدينية مرتبطة بضمير المخاطب أنت لإثبات إخلاص المعتصم لله وطاعته له.
 إن نظم القصيدة تابع إلى مناسبة تتميز في تاريخ الأمة عامة وفي سيرة الشخصية الإسلامية الأولى خاصة، لذلك فإنها تُسجلُ من بين الأحداث العظمى يخلدها التاريخ. مثل هذا الحدث التاريخي لابد من إحيائه والاحتفال به حسب صور لائقة أهمها تخصيصه بقصائد تنقل ما أحاط بالفتح من احدث ومن آثار.
فتحُ الفتوح تعالى أن يحيط به     نظمٌ من الشعرِ أو نثــْرٌ من الخطب.
غير أن الوظيفة هذه لا يصلح لها إلا من أهل لها من الشعراء من يشهد لهم بالأفضلية وبالأسبقيةِ.[2] أبو تمام في عصره كان ذاك الشاعر الذي ارتفع شأنه وعلا فاحتل مقامه في بلاط المعتصم وأصبح شاعره وبات مطالبا أن لا يفوت الفرصة دون أن يخصص لها قصيدة ترقى إلى مستوى الإنجاز ( الحدث التاريخي تليق به قصيدة تاريخية ) فكانت القصيدة التي نتولى تحليلها مطلعها:
السيف أصدق أنباء من الكتب    في حده الحدّ بين الجد و اللــعب
لكننا نجانب الصواب متى اعتبرنا أن أبا تمام قد ألف القصيدة استجابة لواجب الوظيفة باعتباره شاعر البلاط، وأهملنا أنه تأثر بالواقعة فعبر عنها بعفوية وبصدق شعور وهو من يـُعرف ُ بكونه مدافعا عن الانتماء إلى الجنس العربي. لذلك فكل نصر للعرب هو فخر له وانتشاء لنفسه. نتج عنه أن يلتفت للمناسبة بكل طاقاته وقدراته يؤلف نصا شعريا تغني براعته عن صرف النظر إلا إليه ، ويدفع التفوق في نظمه إلى عدم التمييز : أين الحدثُ؟ أهو في الفتح المتعالي عن كل ما سواه أم هو في القصيدة التي تفوق غيرها؟
لقد ألف أبو تمام قصيدة " فتح الفتوح " في غرض المدح. وجرت العادة أن يلتزم المادحُ ببنيةٍ محدودة ومواضيع مخصوصةٍ لا يخرج عنها في مقدمته. لكن شاعرنا نلاحظ من المطلع أنه قد قطع مع ذلك واتجه إلى التجديد في الاستهلال. إن ما يعين أبا تمام الخروج عن المنظومة السائدة في بناء القصيدة أن تجربته الشعرية ناضجة تسمح له الدخول في أي مغامرة وهو واثق من نفسه قادر على الصمود أمام جبهة المعارضة لا يهتز ولا يتأثرُ. فقد أصبح يملك مبادرته الفردية لا يخضع للقوانين وللقيود، ينبعث كلامه وفق رؤيته وخطته كما في قصيدتنا التي نحللها.
نلاحظ في نصنا أن الشاعر انطلق مباشرة في الغرض حيث استغنى عن مراحل المقدمة فلم نجد مطلعا طلليا ولا نسيبا ولا رحلة وإنما وجدنا إشارة واضحة للحدث منذ بدايته حين كان التردد بين المضي في الحرب استجابة لحماسة القتال من جهة وإرجاء أمرها استجابة لرأي المنجمين من جهة أخرى.
لاشك أن أبا تمام قد استغنى عن ذكر المقدمات المعروفة لأنه لم يرض أن يبدو لها موقع وسط ما سيذكره بل إنه يعتبرها ثانوية لا مقام لها بين حديث النصر وإحباط رأي المنجمين وتمثل المراحل التي مر بها المعتصم في فتح عمورية.
يبدو أن المعتصم قد أخذته الحمية وملكته الحماسة فلم يأبه لتخاريف العرافين ولم ير إلا نفسه وما ينبغي فعله فصمم على الثأر من الروم وألقى بكلام المنجمين جانبا ليتركهم فيما بعدُ عرضة للسخرية[3] . كسخرية ابي تمام منهم منذ المطلع فجعل من زلتهم هذه درسا يستثمره للاعتبار ويأخذه معيارا للحكم على بطلان هذا العلم نفسه: لقد ثبت بفعل الممارسة والواقع أن المنجمين كما ذكرهم القرآن كاذبون ولو صدقوا.
نستطيع بعد ما قلناه أن نحكم على أبي تمام في قصيدته "فتح الفتوح" أنه لا يكتفي بعرض الأحداث والإشارة غليها وإنما يجمع إلى ذلك نشر الفائدة والعبرة مما سجله ولهذا فإنه أورد بداية القصيدة في أسلوب حكميّ.
يقول ابن رشيق القيرواني في كتاب العمدة :" وكان أبو تمام فخم الابتداء، له روعة وعليه أبهة، كقوله...
السيف أصدق أنباء من الكتب    في حده الحد بين الجد واللعب                              
حسن الابتداء مطلوب في الشعر لأنه أول ما يقرع الآذان وما يحتاج إيه حتى يرسخ في الأذهان لذلك نلاحظ مع بداية النص أن أبا تمام قد انشغل بالاستهلال وانكفأ على إعداده وتهيئته للإبراز فجمع فيه المعاني وحشر فيه الأساليب بين البديع والتصوير.
يتميز المقطع الأول بتقليب المعنى على أوجه متعددة جوهرها الترجيح والمفاضلة للسيف على حساب التنجيم
قائمة أولى: السيف + بيض الصفائح + شهب الأرماح + الخميسين = كنايات عن الحرب
قائمة ثانية: الكتب + سود الصحائف + السبعة الشهب = كنايات عن العرافة والتنجيم.
الحكم عند أبي تمام لصالح القائمة الأولى أنها أعلى من القائمة الثانية لأن فيها الصدق المخالف لكذب الأخرى وفيها جلاء الحق المخالف لباطل الثانية وفيها العلم المنافي للجهل في القائمة الثانية .
إذن إن أبا تمام كما ذكرنا باستعماله الأسلوب الحكمي يريد أن يرسخ عندنا حكما يقنع به قراء قصيدته ويستعمل لأجله ما اجتمع إليه من وسائل التأثير التي تتكون من الأسلوب أساسا :
اعتماد الصورة الشعرية القائمة على الاستعارة عند وضع السيف والكتب في موضع المخبرين والمنبئين ومن منهما الصادق ومن منهما الكاذبُ؟ونحن نعرف لماذا نميز بينهما : لأننا نتقرب من أحدهما ونتجنب الآخر: أي أننا هنا ينبغي أن نميل إلى السيف وفي المقابل نرفض الكتب التي يكنى بها عن التنجيم.
كذا نفسُ النتيجة عند الصورة الثانية التي يظهر فيها التلازم بين العلم والرماح المشبهة بالنجوم وانتفاؤه في الشهب الحقيقية[4]   في البيت الثالث
لم يكتف الشاعر في الأبيات الثلاث الأولى باعتماد الاستعارة فحسب  بل نجده يكثف من استعمال أساليب البديع: طباقا{ الجد \ اللعب + بيض  الصفائح \ سود الصحائف } وجناسا تاما {حده \ الحد ؛ شهب / الشهب } وجناسا غير تام { الصفائح / الصحائف ؛ الحد / الجد } قصد تحسين اللفظ من جهة وقصد تحسين المعنى من جهة أخرى. لذا لولا استخدام البديع أسلوبا لضعف المعنى وفقد قيمته وضاع في الإطالة ولاعتبرنا أبا تمام قد ألح على معنى يمكن أن يفيه حقه من جملة واحدة كما ورد في القرآن" كذب المنجمون ولو صدقوا. " بينما شاعرنا قد قصد المعنى نفسه (: فضح السيف كذب المنجمين.) وردده في الأبيات الثلاث بين أيدينا وما يليها في النص الأصلي حتى البيت الخامس ولم نشعر معه برغبة في الانتقال إلى معنى ثان بل إننا لم نشعر أنه يتعرض في كل بيت إلى المضمون ذاته.
لا شك أننا نقف على ظاهرة من ظواهر إبداع الشاعر حينما يطنب حيث ينبغي أن لا يطنب وحينما يجره ذلك إلى تكلف الألفاظ وأدواتها ومع ذلك فإنك لا تنكر عليه تجاوزه بل تتقبله وكأنه يذكر معاني جديدة. ولكننا مع اعترافنا بتوفيقه هنا نتساءل لماذا اتبع أبو تما في هذا المقطع أسلوبه ذاك في الإطناب وفي تقليب المعنى بأوجه مختلفة؟
حتى نفهم ما عند أبي تمام لابد أن نشبهه بالمطرب للمواويل أو المرتل للقرآن وهما يأخذان مقطعا واحدا ويظلان يرددانه مرارا ومرارا ومع ذلك تنادي بعده الله الله أو تهتف أو تصفق معبرا عن إعجابك بالذي تسمع، كأنه نجح في التأثير فيك ونقل إليك المقدار العالي من تلذذه بما يقول. فالمسألة إذن يسبقها الذوق ويغذيها كشاعرنا : قد تقبل الحدث وراق إليه واستعذبه فعمل على نقل ما عنده إلى القراء وهو يقر أنهم متعددون وأن أي طرف منهم لابد أن يصله المعنى المطلوب فيخاطبه بما يفهم[5]  حسب ثقافته فإذا بالميالين إلى الأخلاقي أو الطابع اللاهي يتوجه إليهم بالبيت الأول وأما المتميزون بالعقل فيناسبهم ما ورد في البيت الثاني
بيض الصفائح لا سود الصحائف قي       متونهن جلاء الشك والريب
وأما المهتمون بالعلم ونتائجه فلهم البيت الثالث  
والعلم في شهب الأرماح لامعة      بين الخميسين لا في السبعة الشهب
وقس على ذلك البيت الرابع للمهتمين بزخرف الأدب ولفظه والبيت الخامس[6] لأصحاب الصناعات 
أين الرواية أم أين النجوم وما        صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
تخـــرصا وأحاديثا ملـــــفقة      ليست بنـــبع إذا عــــــدت ولا غـــرب
حتى لا نطيل في التحليل هنا نلخص ما ورد في كون الشاعر قد انبهر بالحدث فأراد أن يخلده فوجه لذلك جهده كاملا ولم يدخره بما يطيق لفظا ومعنى واعتنى بالمتقبل فوزع كلامه إلى الغالب شعراء وعلماء وعامة ... لأن الحدث بذاته جلل ويجب أن يحظى بهذه العناية وبذلك الالتذاذ والاحترام لأنه عرف بواسطته الحقيقة وفصل فيه بين الحق والباطل الذي جعل الشاعر يتغنى بالفوز واثقا متحمسا فاصلا حتى في خطابه خاصة عندما يستعمل " لا " النافية للعطف. فما موقع الحماسة في هذا النص وكيف قادت الشاعر حتى يصور الأنجاز العسكري بإنجاز لغوي وثقافي؟
يقدم المثقفون الحضارة العربية أنها حضارة شعر وأن الشعر ديوان العرب.  ساهم في تخليد ما صنعه العرب في الحروب وأبقى على ذكر الأبطال من الجاهلية حتى أواخر عصور الازدهار. يثبت إذن أن الشعر خاصة والفن عامة كلاهما يعاضد دور البطل والقائد فيحتاج أحدهما إلى الآخر : ذاك يلتقط مادة شعره والآخر يكسب الاسم الخالد والشرف الدائم. يقول أبو الطيب المتنبي مخاطبا سيف الدولة يمدحه:
لك الحمد في الدر الذي لي لفظه :. فإنك معطيه وإني ناظمُ
وفي نفس المعنى يقول أبو تمام موضحا ضرورة أدائه لدوره بعد أن تحقق الفتح على يد الخليفة المعتصم:
فتح الفتوح تعالى أن يحيط :. نظم من الشعرِ أو نثر من الخطبِ
نجد الشاعر في هذا النص مدفوعا نحو معانيه ممتلئا بالحماسة زاهيا بما يتحقق. فللحرب أحكامها : منها ما نراه قبليا يقتضي الحماسة لتوليد الشجاعة ولطلب النصر. ومنها ما نراه بعديا لا يخلو من نفس الحماسة التي تدفعُ نحو استثمار النصر أو حتى الهزيمة أحيانا[7] لتوليد ثقافة الفوز وصنع الأمجاد.
الافتخار بالنصر أدخل الشاعر في درجة عليا من الرضا فأقبل على المعاني يعطيها من نفسه المتحمسة والمبتهجة لتلتقي فيها الصور وتحتشد بداية من تصوير الفتح إلى تصوير القلعة الحصينة فتصوير دمارها وإبطال مناعتهاحتى توير نصرة المعتصم للإسلام وجهاده في سبيل الله إلى أن ظفر بتأييده وتصديق نيته.
نبدأ بصورة الفتح فنجد أن أبا تمام قد نقله لنا في صورة مجسدة لبشر مزهو ارتقى بإنجازه نحو الصف الأول بل إلى قمة المجد كما في عبارة " فتح الفتوح " التي تماثلُ عبارة فارس الفرسان أو فتى الفتيان تجاوز الفتح في مقامه أن يوافقه أي معنى من المدح ومن الذكر الطيب لأن الحدث لا يساويه حدث والرفعة لا تفوقها رفعة في حين أن اللغة تصف الموجود لا المتجاوز عن العادة.
لذلك فإن علاقة الفتح تعدت الحدود البشرية لتصل إلى الإله من يتولى قبول الإنجاز ويمنحه رضاه فيكرمه. وهكذا فإن ما لا طاقة للبشر به يتولاه الله ويتراجع عنه الشعراء والخطباء من يوكل إليهم صنع التكريم.طبعا هنا ما يكون عند الله لا يكون عند الإنسان. كله يتصف بالضخامة أرضا وسماء .
لقد استدعى الشاعرُ هنا صورة دنيوية تنقل حفلات التكريم والتميز ولكنها ذات صبغة خارقة يتوسط لها ما نسميه بالصورة المنتشرة عموديا في السماء : " فتح تفتح أبواب السماء له" والمنتشرة أفقيا في الأرض:" وتبرز الأرض في أثوابها القشبِ " ولكنه يتجنب هذا المعنى ويركز على معاني نتدرج فيها إلى الصور المستمدة من التاريخ لا من المبالغة والخيال.
الصورة المجسمة الثانية اتصلت بالحدث التاريخي نفسه: " يوم وقعة عمورية " إحالة على الحروب السابقة في العصر الجاهلي التي عرفت أحداثها وكانت مناسبات يعود إليها العرب لتحديد الأزمنة ما قبل يوم البسوس أو ذي قار وما بعدهما يتناولون فيها مكارم أخلاقهم وبطولاتهم .
هكذا هو نفسه حسب الشاعر أبي تمام " يوم وقعة عمورية " له وقعه في التاريخ العربي والإسلامي يجدر أن يضعه العرب في مقامه الذي يليق به كما تبين من الاستعمال السابق فتح الفتوح ، إنه يسوق لكل العرب المنى المشبهة بالناقة ذات الضرع الممتلئ حليبا مختلطا بالعسل. إنها صورة قد تظهر غريبة : كيف يصور الشاعر اليوم المشهود ذلك ، بالناقة مجتمعة اللبن؟
إن الصور التي يعتمدها أبو تمام قد يبدو أنها بعيدة تخالف ما يرسمه النقاد والبلاغيون ويشترطونه لسلامة التصوير. إنهم يرون أن التشبيهات والاستعارات ينبغي أن تعتمد الجمع بين ذوات الصلات المتقاربة شكلا أو لونا أو صفة حتى يسهل تمييزها. لكن أبا تمام في ما يظهر يخالف القواعد المعروفة فينشئ صوره بين أطراف متباعدة لا يسهل تمييزُ وجه الشبه بينها. هذا التمشي منه قد نفسره بمذهبه في الشعر أنه يسعى إلى أن يكون للتفكير بُعدٌ أكبر من ذي قبل ، ما يغذي نفس هذا السعي منه التقدم العلمي الحاصل في عصره خاصة في عهد المأمون الذي أسس بيت الحكمة وترجم الكتب  الواردة من الحضارات السابقة منها الفلسفة اليونانية وحكمة الهنود التين اطلع عليهما شاعرُنا وأخذ منهما ونمى ثقافته عن طريقهما.
إذن ثقافة أبي تمام واتساع المعارف في عصره أثرا حتى على شكل القصائد التي ينظمها محتوية على صور ومعان لم تكن متداولة قبله من ذلك الصور التي سنذكرها تباعا:
صورة المنى التي تشبه الناقة مجتمعة الحليب للتعبير عن فائدة يوم وقعة عمورية وما سيجلبه من آمال غير محصية  لصالح العرب والمسلمين المستفيدين من سقوط المدينة على يد خليفتهم. يظهرُ لنا ذلك في الصور اللاحقة عند وصف عمورية البلاد تاريخا وغنيمة:
الصورة الأولى لعمورية هي صورة الفتاة البكر الحسناء المتمنعة عن طلابها والمحتجبة عنهم برغم كثرتهم ورغم شرفهم وعلويتهم. هذه المدينة وجودها منذ عهد كسرى ملك الفرس وأبي كرب من ملوك حمير في اليمن أو حتى قبل ذلك من عهد الإسكندر الأكبر. هؤلاء الملوك جميعهم اشتهروا بخوض الحروب واشتهروا بإنجازاتهم الحربية ومع ذلك فإنهم لم يلتفتوا إلى المدينة موضوع قصيدتنا لا لعدم أهميتها وعدم قيمتها بل لأنها بعيدة المنال عليهم محصنة يفتديها أهلها كأنها أمهم يستميتون في الدفاع عنها ولا يقدر بذلك واحد منهم دخولها فظلت هذه الحسناء مطلوبة محبوبة ولكنها بكر فوق المنال.
بعد صورة الأم وصورة الحسناء نجد صورة ثالثة لنفس المدينة : إنها صورة الحليب في الخابية يتولى الله إعداد عمورية لمن قدرت له كما تعد المرأة البخيلة الحليب لتحوله إلى زبدة فماذا يعني بذلك؟
تعني الصورة الثالثة أن المدينة حافظت على ألقها وعلى تميزها لم تعرف من قبل الكرب حتى امتلأت بالكنوز والخيرات ليفوز بها من يسبق الملوك جميعهم إليها فيكسرَ القاعدة أنها ممتنعة عن كل غاز. صاحب هذا السبق لن يكون إلا سيف الدولة من سيفتح عمورية ويفوز بمدخراتها وينتفع بها وقومه في عهد خلافته وخلافة من يليه.
نلاحظ أن المعاني الواردة في الصور هذه تتجه إلى إعلاء مكانة المعتصم لتنسب إليه أحداثا لا تكون إلا لمن يتفوق على الملوك ويتقدمهم ويسبقهم. لكن الجديد في ما يعترضنا من وصف أن الشاعر لا يعتمد المدح المباشر ولكنه يعتمد المدح بالإحالة. لأن المعنى الملمح إليه هنا لا نعتبره جديدا بل سبقه إليه النابغة الذبياني الذي قال مادحا :
وأنت شمس والملوك كواكب     إذا طلعت لم يبد منهن كوكبُ
و سنجد المتنبي بعده يقترب من هذا المعنى في مدحه عندما يقول:
تظل ملوك الأرض خاشعة له   تفارقه هلكى وتلقاه سجدا
على ما في البيتين من جودة التصوير والمقارنة إلا أن أبا تمام يتميز بإكساب ممدوحه الشرف فوق ملوك الأرض شرفا بأسلوب غير مباشر وإنما عن طريق التلميح ليكون بذلك حسب تعريفات الشعر أقرب إلى الشعرية من غيره لما تحتويه معانيه من شحنة تلميحية نراها في الجانب الآخر المقصود إليه من مدح المعتصم يتناسب وسياق النص يذكره لنا بلوازمه ولا يذكر لنا شيئا من معانيه.
الصفة المدحية الثانية التي نصل إليها من قراءة الأبيات وتفكيك صورها هي صفة القوة والقهر لأعدائه قدمها لنا أبو تمام وفق مظهرين إثنين:
أما المظهر الأول فيتبين من ذكر امتناع حصن عمورية على امتداد التاريخ السابق كله وذكر عدم تجرؤ غيره على الهجوم عليها لاستعداد أهلها من أجل الدفاع عنها واطمئنانهم إليها والالتجاء إليها تجنبا للغارات والمباغتات. ما يعني أن المدينة قوية ولذلك فإن من ينتصر يشرفه نصره على هذه المدينة القوية بفرسانها الشداد من جهة، ويليق به وصفه بما يوصف به الفرسان أصحاب القيادة من جهة أخرى[8] .
وأما المظهر الثاني لوصف المعتصم بالبطولة فيظهر من قوة الدمار الذي ألحقه بعمورية التي لم يترك فيها عمودا قائما مما يعني أنه سواها بالأرض كما نتبين في الكناية المختلطة بالاستعارة عندما يقول:
لقد تركت أمير المؤمنين بها    للنار يوما ذليل الصخرِ والخشب
لعلنا نعتبر ما أقدم عليه المعتصم في حربه يتعارض مع وصايا الرسول ( ص ، ل ) لصحابته عند خروجهم للحرب[9] غير أنه في سياق القتال قد يعد دالا على البطولة وعلى حسن القيادة وعلى قهر الأعداء بتقديم صورة مذلة عن فرسانهم
كم بين حيطانها من فارس بطل    قاني الذوائب من آني دم سرب
و أتعس عن مدينتهم وقد تحول ليلها نهارا ونهارها ليلا كما بينته الاستعارات والمقابلات في الأبيات من الثامن عشر إلى الواحد والعشرين حيث كان اعتماد الشاعر على منهج تفصيلي للأحداث لا يخلو من التوضيح والتفسير والتقليب اعتمادا على أهمية القول لذلك فإن شاعرنا كلما اعترضه معنى يعتبره هاما تتعدد مقاصده يعتمد فيه الأساليب التي ذكرناها.
المعاني المدحية التي رأيناها في الأبيات المذكورة حربية تعكس الشرف الذي يناله المعتصم في انتقامه وفي تدميره لعمورية لكن الفضل الباقي في صفاته سيظهر في الجانب الديني وهو ما نتعرض إليه في الوحدة الثالثة:
يتضح من البيت الثالث والعشرين أن الصراع بين الكفر والإيمان وأن السيف الوسيلة الأولى للفصل بينهما لكن هذا السيف لابد أن تمسكه يد قائد حكيم مدبر يجد الأزر من عند الله. هذه المعاني ظهرت في البيت المرصع ذي الإيقاع الاحتفالي المبتهج بالنصر وبمدبر النصر معا وبرضا الله على الفاتح جزاء على إقدامه وغزوه للروم احتسابا لله لا يبتغي فضلا غير الثواب.
ذلك جميعه ورد متوازيا في البيت الرابع والعشرين حيث نرى العجز مخصصا للمعتصم في حين الصدر مخصص لعلاقة المعتصم ذاته مع الله يقول:
تدبير معتصم بالله منتقم        لله مرتقب في الله مرتغب.
نلاحظ أن التركيب إضافي فيه معنى النسبة نسبة الأعمال كلها إلى حسن التخطيط والقيادة المعبرة عنها لفظة تدبير لكن هذه القيادة مع انتسابها لشخص المعتصم فقد حظيت بقبول ورضا من الله لاعتبار انه يقوم بذلك كله راغبا في وجه الله ورضاه وهو ما أنتج له النصر، ذلك أنه لو لم يخلص النية لله لما حقق نصره التاريخي الساحق الذي تعرضنا إلى أهم خصائصه.
أجبته معلنا بالسيف منصلتا    ولو أجبت بغير السيف لم تجب
بمعنى أن أبا تمام لو لم يكن يقصد طاعة الله لكان سقط في الخطإ الذي كان غيره يقع فيه ألا وهو الاستجابة إلى قول الدجالين والمنجمين لكن إيمان المعتصم الصادق وجد بسببه التأييد الكلي من الله وأوقد عنده العزيمة فأقدم على الحرب ولم يتهور متصفا بصفة الفرسان الشجعان أو صفة الأمراء ذوي القيادة الرشيدة.
من المقطع الذي نحن بصدد تحليله نتبين أن الشاعر قد تعرض إلى صفات المعتصم القيادية والعقلية والدينية وأكد أن الله في عون عبده مادام عبده عند طاعته يوفقه بالنصر مع التأييد .
عند تحليلنا لنصنا وقفنا على نتائج مختلفة قصد إليها الشاعر منها شدة الترابط بين الفعل والحق : تكسب مادمت تتصرف وفق المطلوب منك دينا لا تعترف برأي غيره. ومن ذلك تتعمق الفضائل فإذا بالإنجاز يكبر وتبرز فيه كامل معاني الحماسة بطولة وقيادة ومجدا ومهابة وقهرا للعدو. غير أن ميزة أبي تمام في هذه القصيدة أنه قدم المعاني تلك بأساليب إيحائية لا مباشرة وصنع لها صورا جديدة غير مألوفة ليست أطرافها قريبة وجه الشبه. مع هذا فإنها حملت شحنة تأثيرية تقدم صورة البطل كما صورة النصر كما صورة العدو وصورة هزيمته.
لئن حملت القصيدة معاني عميقة أثارت النفس والعقل فإننا قد نتساءل على سبب تصليت كل القيمة للسيف في حين أن أبا تمام لم نره يلتفت إلى قدرات ثانية عقلية ونفسية قد يكون لها نفس الوزن في تقريب الفوز والمجد والشهرة. بل إن الشاعر في كنايته عن التنجيم بالكتب قد أوقع بعض الالتباس عند المتقبل أهو يقصد العلم كاملا أم يقصد التنجيم ولولا السياق التاريخي الذي أنار لنا القصد ما كنا لنفهم المعنى المقصود إليه حقيقة.

حفلت قصيدة أبي تمام " فتح عمورية" بالصور والمحسنات البديعية لتمجيد النصر المحقق وإعلاء صورة الممدوح في واقعة حماسية غير أننا نلاحظ أن نقله لأحداث النصر اقتصر على النتائج في حين يخلو من لوحات تتعرض لمشاهد القتال تدل على أنه يصف وصف مشاهد لا وصف ناقل. لكن التمجيد الواضح للنصر قدمه تحت تبرير محاربة المعتصم للأعداء أهل الكفر فكيف سيتسنى له التبرير عندما يصوره يخوض الحرب ضد أعداء من نفس الديانة؟

  نزار الديماسي




[1]  يقول أرسطو:" ليست المحاكاة رواية الأمور كما وقعت فعلا بل رواية ما يمكن أن يقع ، فلو كتب تاريخ هيرودتس شعرا لظل تاريخا لأنه يروي ما وقع لأشخاص معنيين فهو جزئي يروي ما هو خاص بأفراد، في حين مواضيع الشعر كلية عامة. وليست أسماء الأشخاص في الشعر إلا رموزا كلية لنماذج بشرية حتى لو كانت هذه الأسماء تاريخية لأن التاريخ ذريعة الفنان.
[2] قال ابن رشيق:" وليس في المولدين أشهر اسما من الحسن أبي نواس ثم الحبيب والبحتري، ويقال إنهما أخملا في زمانهما خمسمائة شاعر كلهم مجيد
[3] Il vaut mieux agir trop rapidement qu’attendre trop longtemps
[4] L’enthousiasme a toujours engendré  la certitude : Alfred espinas
[5]  خاطب القوم بما يفهمون
[6]  الرابع والخامس في النص الأصلي لا الديوان
[7]  قصيدة المتنبي : السيف معتذر والدهر منتظر
[8]  في هذا المعنى نقدم بيتين لسعد بن أحمد القيرواني أحد الفرسان الشعراء يقول:
قالوا انتصرت هنيئا قلتُ ويحكمو    إن انتصاري عليهم لا يشرفني
فليس بالنصر نصر الأسْدِ ضارية   على الكلاب وسرب الإضبع النتن
[9]  أخرج أبو داود بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث جيشًا قال: «انطلقوا باسم الله، لا تقتلوا شيخاً فانيًا، ولا طفلاً صغيرًا، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين"

السبت، 17 أغسطس 2013

أمـــة تقـــتل أبناءها
أصبحنا نشاهد جثث القتلى، ونتعرض إلى إشارات تبشر بصنع أجواء تستدعي معاداة الأخ أخاه والجار جاره تجاوزا للاختلاف والتنافس إعلانا عن بدء مرحلة استباحة الدماء، ونثر الجماجم المحروقة في الطرقات. وتوزيع الآراء بين من يقف منحازا للقاتل أو منحازا للمقتولِ. بين أن نكون من ذوي القلوب تبكينا صور الشهداء الأبرياء أو من القاسية قلوبهم نرقص على جثثهم ونشعل الشماريخ مهللين بالاعتداءات لا نحفل بمن سقط ومن سيسقط ونبرر للقاتل رميه بالرصاص المخالفين ثم نشنع بالمسالمين ونلوم  القتلى على شجاعتم ومواجهتهم السلاح بصدور عارية وقد خرجوا للميادين يطالبون بحق رأوه من نصيبهم.
فأي كرامة لنا وأي وحدة؟ ولمصلحة من صناعة القتل وبث الفوضى؟ وماهي الحدود والخطوط الحمراء؟

أي كرامة لنا وأي وحدة؟

إننا أمة عريقة في الزمن تعاقبت علينا الحضارات وامتدت بلا انقطاعٍ، شاركنا في البناء الإنساني ونفضنا الغبار عن ثقافات غاب ذكرها فأعدنا إحياءها وساهمنا في عجلة التقدم حتى تحسر البعض على تأخر وصول الإسلام إليهم كما ذكر جوستوف لوبون في كتابه (حضارة العرب) تعليقا على نجاح شارل مارتل في الدفاع عن فرنسا ضد الغزو الأندلسي بقيادة عبدالرحمان الغافقي في معركة بلاط الشهداء (= بواتييه )"لو أن العرب استولوا على فرنسا ، إذن لصارت باريس مثل قرطبة في إسبانيا مركزا للحضارة والعلم، حيث كان رجل الشارع فيها يكتب و يقرأ بل ويقرض الشعرَ أحيانا، في الوقت الذي كان فيه ملوك أروبا لا يعرفون كتابة أسمائهم."
في تلك الأعوام الماضية لم تكن تقود المسلمين غير مشاعر الاجتماع والمصير المشترك لا يقبلون إهانة تلحق الفرد و المجموعات كأنهم جسد واحد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى وشاركوه نفس الألم و أقوى. نتذكر هنا تلك القصة المروية عن حمية الخليفة المعتصم لما بلغه أن امرأة استنجدت به وهي تتعرض إلى  مضايقة الروم وتحرشهم بها فنادت "وامعتصماه" فترك ما كان بصدده حتى يثأر لها وله ويعود من فتح عمورية شديدة التحصين.
إذن لم يكن العربي يأبه للمصاعب والمتاعب متى تعلق الأمرُ بشرفه وعرضه أو كرامته عش عزيزا أو مت وأنت كريم ... بين طعن القنا وخفق البنود
لم يكن يحتقر أي حدث وكان يهرع لنجدة أخيه في الإسلام وفي العرق يحميه بحياته ونفسه لأنه يملك ثقته بنفسه ويستيقن أن الراعي ينشغل بأمر حيث أن العرب كانوا في وقت ما أقوياء وكان الآخر يهابهم حتى انه متى تجرا عليهم عاد وعرف حجمه كما في رد الرشيد على رسالة نقفور بعد اعتلائه العرش:"من نقفور ملك الروم إلى ملك العرب، أما بعد فإن الملكة إيريني التي كانت قبلي أقامتك مقام الأخ، فحملت إليك من أموالها، لكن ذاك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وافتد نفسك، وإلا فالحرب بيننا وبينك" قرأها فغضب غضبا شديدا ورد ردا عنيفا:" من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون أن تسمعه، والسلام  " ثم غزاه وأسقطه  إلى ضعف النساء وحمقهن كما ذكر في رسالته.
نستنتج من الأمثلة المذكورة أن الكرامة ملازمة للشعور بالقوة والثقة والأخذ بأسبابهما لذلك اليوم لا تجد الإسرائيلي يهان ولا الغربي ولا الأمريكان بينما العرب و الأفارقة تلحقهم الإهانات وتجدهم على الدوام يشتكون من العنصرية الموجهة ضدهم في البلدان المتقدمة ولا يجدون في بلدانهم من يرد عنهم الظلم وقد لا يجدون الملاذ إلا عند الطرف الآخر المعتدل. لكن ما يثير عند العربي أنه يستكين لإذلاله ويقبل به ولا يعارض استعباده مثلما لاحظ شاتوبريان في كتابه" السفر من باريس إلى القدس" حيث لا ننفي عنه النزعة المتعالية ولا الاستعمارية او العنصرية ولكننا بالعودة إلى الواقع قد لا نعارضه عندما يتحدث عن فظاظة العرب وعن حبهم للاستعباد أو عندما يبرز أن:"كل شيء ينم لدى العربي عن الإنسان المتحضر العائد  للسقوط إلى حالة التوحش." وإلا فما تفسير حمامات الدماء التي مافتئ حكامنا يسفحونها هنا وهناك؟ ومابال الشعوب تقبل بتلك الفضاعات وما من عمل لها سوى الإحصاء لارتفاع الأعداد في سوريا والعراق واليوم في مصر ولبنان؟ فأي مصلحة يخدم ذلك؟
لمصلحة من صناعة القتل وبث الفوضى؟

إن الباحث عن الوصف المناسب للمرحلة التي نمر بها هذه الأيام، قد يتردد لأنه لن يقف أمام إيجابيات فيتحرج ويتهرب من التفاصيل الرهيبة التي تكشف عنها كثرة الفتن، وعطالة العقل والتمييز. إنها مرحلة حالكة من تاريخنا الوطني والقومي لا نظن أن التابعين لها جميعهم يتشرفون أنهم يعدون من أبنائها اليوم. فغلب علينا الميل لإنكار خصوصياتنا وإهمال واجباتنا نحو بعضنا البعض ما ضخم في أنفسنا الشخصية الفردية مقابل التقليص من حضور الشخصية الجمعية فاستحال نتيجة لذلك الغالب على النخب  خدمة مصالحها قبل مصالح العامة والمجموعة قد نستدل عليه بما جاء في كتاب العقل للمفكر التونسي الدكتور فتحي التريكي:"وقناعتي أن على المثقف العربي في الفترة الحالكة حاليا أن يبرز دوما الوجه النير في حضارتنا وثقافتنا وذلك للصمود أولا أمام الهجمات العنيفة التي تتعرض لها ثقافتنا يوميا من قبل العنصريين والاستعماريين الذين يتفننون في إبراز وجه تقشعر منه الأجساد وتنبذه العقول. وثانيا أمام المحاولات العديدة التي يقوم بها المتطرفون ليقلصوا مجالها الواسع ليشمل الثقافة الدينية فقط.
والغريب في كل ذلك أن بعض المثقفين عندنا لهثا وراء الشهرة في الغرب تراهم يبحثون عن كل ماهو سلبي في الحضارة لإبرازه وكأنه المركز الذي حوله تدور كل معطيات ثقافتنا فيتكلم عنها دون تعمق دون تثبت ودون تريث علمي وكأنه مختص فيها اختصاصا وثيقا ودقيقا، وهمه في ذلك أن ينال استحسان هؤلاء الاستعماريين العنصريين. وكم من مثقف تظهره وسائل الإعلام الغربية بمظهر المضطهد لأنه تجرأ ونقد فتعرض للهجمات ولردود الفعل العنيفة." إذن هذا هو النخبوي العربي يهمه أن يصبح له صيت،ويستغني أن يكون لثقافته موقع بين الثقافات ولبلاده مكانة مشرفة بين الدول، حسبه نفسه.
عندما تغزو المصالح الفردية المصالح العامة، نفتقد إلى كل القيم الأخلاقية المنظمة للحياة الجماعية فيغيب الإحساس بالآخر ابن بلدي وابن وطني ،وقد أبغي له الشر والحزن إذا تعارضت في نظري منافعنا وفوائدنا. أهمل وقتها أننا في نفس الأرض وأن ما يسوء وضعه بالضرورة لابد أن يسوءني وما يهدده ينتقل بصفة آلية عندي  يستوي في ذلك الفاعل والمفعول به، لكن مع وضوح الضرر ويسر ملاحظتته يتجرا قسم من المتنطعين فيقدمون أنفسهم أنهم أبناء البلاد وغيرهم دخلاء عليها فيهاجمونهم ويتهمونهم بالتقصير وعدم الانشغال مثلهم بالقضايا الرئيسية ولا يملكون الأهلية حتى يسطروا بأنفسهم ما يصلح للجميع، عليهم أن يعترفوا أنهم قاصرون وعلى باقي أفراد الشعب الطائعين لهم أن يتجنبوا وإياهم أي ألوان المشاركة لأن عدم انتماءهم للوطن قد ثبت يقينا وليس لهم ما يقدمونه: ثقافتهم متخلفة غير مواكبة للعصر على خلاف ثقافتنا وإن كنا بدورنا نستوردها من أعلى البحار فإننا نستند إلى قاعدة راسخة في الحداثة لذا فما وافقنا هو الصالح وما يخالفنا هو الفاشلُ. ليست لكم أيها الشعوب عقول تفكرون بها ولا عيون تبصرون بها أنتم دوابنا نقودكم إلى اليمين وإلى اليسار لا تقلبوا آذانكم إلا إذا خاطبناكم وسخرنا إعلامنا يحدد مواقفكم وآراءكم بواسطتها نرعبكم وننومكم تنويما مغناطيسيا فلا تنطكون إلا ما نريكم ولا تباركون إلا ما نأذن لكم وإن نددتم فلا تنددون إلا بما حكمنا نحن بزيفه وبطلانهفإن رأيتم الموتى كذبوا وشككوا في مصدرها وفي صحة ما يقدم عن عددها فهي أقل بكثير لم تبلغ الآلاف بل هي في حدود المئات وحسب لا تقولوا إن الجيش والأمن من يقتلها بل هي نيران صديقة وإن ظهر الكذب فقولوا إن أحدا منهم حمل سكينا مهددا به من في داخل المدرعة محصنا أو لعل آخر قد ألقى بيده حجارة متوسطة الحجم فأصابت رجل أمن أو جنديا. ولولا ما صدر من سبقهم ومن جرائمهم ما كانت جيوشنا لتعترض سبيلهم وقد أكدوا لهم أنهم لن يلحقهم ضرر ماداموا يحافضون على سلمية احتجاجهم أما وقد خالفوا تنبيهاتنا وتحذيراتنا لم يعد لادمهم ولا مالهم في عصمة من أمرنا. أفلا تصدقون؟ افلا تنتبهون؟ إن المخالف من يبادر لا من يقتل، إن الكاذب من يخالف ما أنشر لا من ينقل الواقع كما هوبل المغرض ليس من يكمم الأفواه ويقطع الإرسال عن الأصوات المخالفة، إنه من يصنع صورة موازية ويعدل الرؤى مخالفا المقاصد والتوجهات من الانقلاب.
فعلا هو هذا ما يتضح من المشاهدات ومن الملاحظات في الأحداث المعيشة عالميا ومحليا، لئن كنا بررناها من منطلق العداء فيما بيننا وبين الصهاينة فإننا نبقى مبهوتين عندما نصطدم بنفس المشهد بين أبناء الوطن الواحد والشعب نفسه الذي ينقلب إلى فصيلين متصارعين كل منهما يدعي امتلاكه للحق ويدعو لاتباعه. وقسم ثالث يخترعون له حكاية الحياد فيلزمونه بالوقوف على مسافة فاصلة بين الإثنين حتى يدمر أقواهما الضعيف وبعدها يأتي دور الاعتبار والدرس: أي بعد خراب مالطا.في حين الدور الإنساني يأبى ذلك ويتطلب أن تتدخل كما يقول المثل قبل" سقوط الفأس في الرأس" أو كما دعانا الرسول صلى الله عليه وسلم حسب الحديث المروي عن أنس بن مالك" انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال: رجل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنصره إذ كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟! قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره. " بذلك تكون قد منعت الأذى قبل وقوعه وقبل احتداده كالتار التي إذا اشتعلت يمكنك في البداية السيطرة عليها لكنك متى تجاوزت الوقت فإنها يصعب أن تنطفئ ولا تحدث خسائر. كذلك هو حال بلداننا عندما تسول لأي إنسان نفسه أن يستغل نفوذه وسلطانه، أو مؤيديه وداعميه فيقصد أن يرمي شرارة من عنده ليس لها اية وظيفة أوحاجة بل الغاية منها الإحراق والإفساد فتصيب الأخضر واليابس ثم يدعي بعدها أنه يمكنه أن يأتي بالشفاء معتمدا على وعود تصله أو توقعات فيها يخمن.ومقدرا ما تنجذب إليه الأحداث والوقائع في الداخل والخارج حسب مصالحه ولا يعلم أن مكر الله أكبر من مكره. فقد تتغير الأحداث وتفوق ما يتصوره وينفلت منه الزمام ولن يملك أية قدرة على تضميدها وجمعها بل على تغذيتها وعلى عدم التراجع بعدم الصدق وباصطناع الشرعية وبالتفويضات الكاذبة.
كل ما ذكرناه إنما هو مدفوع بسلطة النفس وهواها التي حذرتنا النصوص الدينية والدبية من اعتمادها والسوق وراءها: يقول أبو العتاهية
خالف هواك إذا دعاك لريبة    فلرب خير في مخالفة الهوى
ويقول أمير الشعراء أحمد شوقي:
إذا رأيت الهوى في أمة حكما    فاحكم هناك أن العقل قد ذهبا
حتى لا نسقط في اتباع الهوى ونقدر المصالح حق قدرها فلا نتبع من جعل حاكمه هواه ينبغي ان يتوفر في حياتنا ما يشترك كل الأطراف على اتباعه والقبول به ويعمل على جلبه لأنه وحده ما يتعالى على المصلحة الفردية والضيقة وحده ما يجعل من حياة الفرد الواحد ذات قيمة إنه الدين أو هو الأعراف وما ترسخ عنها من قيم أخلاقية أو هو ما اتفقت عليه الأمم ورفعت مبادئه إلى درجات القيم الكونية: 
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت   فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
مرجعية الأخلاق حقيقية نستند إليها ونطلبها لأنها تمثل حدا أساسيا في التعايش بين المواطنين جميعهم بأطيافهم ومذاهبهم وباكثريتهم وأقليتهم حيث المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الذاتية هذه الأخلاق التي يأتي الدين ليتممها كما ورد في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم انه بعث ليتمم مكارم الأخلاق إصلاحا لحال المجتمعات العربية والإسلامية حيث يقع تحريم الظلم الذي حرمه الله على نفسه وحيث يمنع إيذاء لا المسلم فحسب بل إيذاء الذمي أيضا ويخرج من الملة من يتعرض له.
في نفس سلسلة اتباع الهوى نرى أن الدين يقف ضد أي مشروع يرمي إليه الهوائيون تمريره فإذا بهم تجدهم على اختلافهم يؤاخذون على المنافس كيف يحصر الدين ضمن مشروعه في حين أنه للجميع وفي مواقف أخرى تراه مندفعا لإخراج الدين من إطار الحاكمية بل لا يتورع أن يتهمه أنه ما عاد مناسبا لزماننا لأن القرآن نزل في عصر غير عصرنا ولأحداث غير أحداثنا وفي المقابل يلصق على مبادئ حقوق الإنسان صفة الكونية فيدافع عنها قولا ولكنه لا يطبقها في العديد من أفعاله عندما يهلل بقتل المئات من الناس ويبارك التشويش على الفضائيات التلفزية وقطع إرسالها ويبرر حملة الاعتقالات الواسعة عند هذا الحاكم أو ذاك بينما ذات الشخص قد تراه في لقاءات سابقة يكاد يبكي متأثرا لاستعمال القوة ضد متظاهرين محتجين. لا يستقيم الأمر إننا نريد للحكم أن يكون واحدا في كل الحالات أن لا يفرق بين هذا وذاك أن لايميز بين هذا يحمل مشروعي وذاك يخالفه فيبيح عليه ما يحرمه على نفسه بسلطة الهوى لا العقل. إذن علينا أن ننظر إلى هذا المشترك الذي يتساوى عنده كل الناس كأسنان المشط نرجع إليه أمورنا كلها. يقول الرسول صلى اله عليه وسلم:"فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ."ويقول الله عز وجل :" فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ورسوله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا." 
لسنا نتجنى على الواقع عندما ننادي إلى ضرورة الاعتماد على الجامع المشترك عند العرب وعند المسلمين الذي إذا ما اتبعناه فلن نضل أبدا لذلك ينبغي أن يكون ديننا حدودن نلتقي عندها ونقبل بقداسته فلا نتأخر عن اعتباره خطا أحمر.
ماهي الحدود والخطوط الحمراء؟
إن حرية الإنسان غير مقيدة يمكنه البلوغ نحو أبعد الحدود بإرادته ورغبته وحتى شهوته غير أن هذا الإنسان لايطلب منه أن يظلم وينتهك من حقوق غيره الفردية والجماعية فكيف له إذن أن يوفق بين الحرية وعدم الظلم؟
عندما نربط بين الإفراط في الحرية والظلم فقد نجد أن الرابط بينهما قوي لأن الحرية قد تغلب نوازع على حساب نوازع أخرى فتقود نحو الفعل المرفوض من ذلك ما نشاهده من اعتداءات على شخصيات رمزية في البلاد بدعوى أننا انتقلنا إلى عصر الحريات فإذا بنا نسقط في وحل الانحطاط الأخلاقي فنعري أجسادنا أمام العموم وننادي بحرية اختيار القرين قرينه مهمن كان هذا القرين ونقف صامتين على قطع جموع من الشباب تلاوة القرآن من أحد الشيوخ ومنا من تطرف ورد الفعل بطريقة هوجاء لأن المس أصاب الذات الإلهية وشخصية نبينا الكريم. 
إذن التطرف يصيبنا هنا وهناك لولا هذا الدين أو تلك الشريعة وهما يعلماننا كيف نتصرف بالتي هي أحسن ولا نغلظ في الأقوال ولا نفرط في الأعمال وإن غرنا على ديننا مسيحيين ومسلمين. 
الدين والوطن كلاهما خط أحمر لست محتاجا أن تعرفني بحرية معتقدي بل إنني أطلب أن تحفظ أنت احترامك لي فلا تتعرض غلى ديني بالاستهزاء والسخرية ولا تنتقص من تعاليمه. ولا أقطع في المقابل عليك حرية التعبير عن موقفك إذا ناقشت ما تراه ينتقص من حق المرأة ومن حق الإنسان. كما تلتزم أن تبقى وفيا للبلاد التي تعيش فيها وتتنفس هواءها وتتلوث بغبارها ولا تفصل بين انتمائك لدينك ولا لوطنك لأن الفضاء المفتوح هو فضاء للتعايش لا للنزاع والعداء وللمفاضلة لكن مع احترام وجود الغالبية والتمييز بين التهجم على الدين والتعبير عن رأيك فيه وأنت تعيش معي وتعلم أنك تخاطب غالبية مسلمة.
إن الدين عندما نؤمن به بالإضافة إلى أنه خط أحمر يشعرني بإنسانيتي وأنني وحدي بين المخلوقات الدنيوية يمكنني أن أتبنى ديانة أنتسب إليها كما يقول هيقل:"إن الإنسان وحده هو الذي يمكن أن يكون له دين وأن الحيوانات تفتقر إلى الدين بمقدار ما تفتقر إلى القانون والأخلاق." لذلك المطلوب ممن سمحوا لأنفسهم الاعتداء على مشاعر الناس المتصلة بالدين وسمحوا لأنفسهم بإثارة القضايا المسقطة على الدين وجعلوا منها جوهرية واوهموا الناس أن الدين ينبغي عزله عن السياسة وعن الحياة عليم أن يلزموا حدود الاحترام وأن لا يقحموا هذا الدين في تجاذباتهم ولا يحولوه مثار شك وتردد بين اعتباره مصدرا للحياة أو ليس مصدرا إنه ثابت في قلوب أتباعه الإيمان به عميق لن يتزحزح ولن يفل وإلا فإن غيرهم سبقوا فماذا جنوا لقد عادوا إلى أراضيهم لم يخلفوا آثارا إلا بإثبات هذا الدين وتركيزه.  
خلاصة ما قدمناه في المقال كله أن الهزات التي تعصف بنا يخطط لها اصحاب الهوى غير ان أراضينا ثابتة في الأصل والقدم ممتدة في العراقة والثقافة تزداد قوتها بما مر عليها من أحداث لو حلت بحضارة غير حضارتنا لتركتها ذكرا مذكورا بينما بينما نحن حضارة الشرق مهد الديانات السموية يختل ميزاننا فنضعف ونتخلف غير أن قلوبنا تصمد تستمد من الكتب السموية ومن تعاليمها الإيمان الذي يخلد و نقبل الدين كله لا بعضه كم يقول كانط:" لئن كان من المستحيل أن تفترض مثلثا من غير أن تفترض وجود زواياه الثلاث فمن الممكن إنكار المثلث والزوايا معا. هكذا يستحيل افتراض الله مع نفي قدرته الكلية أو صفة من صفاته و لكن لا يستحيل إنكار وجوده وصفاته معا"  

  

الأربعاء، 31 يوليو 2013

العقلُ يفقدُ صوابه

تطالعنا في كل يوم أحداث ٌ جديدة ٌ، ونستبشر باستقبالها لعهلها تأخذنا نحو الأفضل ، وتعمق إحساسنا بما هو أجمل وأبدع.إننا نريد حتما أن نختطف من كل ليلةِ تمضي، النجمة َ التي تبعث بريقا أسطع، ونحفظ منها الحلم الأروع. لأن نفوسنا على حب الحياة تنشأ، وبإحراز الأمل تهنأ. هذا ما نستجديه من لقاءاتنا حتى اليومية:"شنية أحوالك؟" " أيا آش عندك جديد؟" " تي وينك؟" هي أسئلة دارجة قد لا تلقى بالضرورة لمعرفة ما عند الشخص المقابل ولكنها مناسبة يُطلب ُ منها سماعُ الأخبار المبشرة باليوم السعيد. على خلاف ذلك تجد الفرد نفسه قد عبر عن تململه وانزعاجه لكلمة بسيطة قيلت لكنه لا يتذوقها أو لشخص بريء يعترضه لكنه لا يرتاح له، أو لخبر عادي ينقل لكنه لا ينتظره فيعبر عن خوفه من نحس ذلك اليوم فيردد "إنشاء الله خير" " ع الصباح والرباح" ...
أليس هذا ما يلخص طباع التونسيين وانتظاراتهم من الحياة ومن الأيام التي يفتتحونها دوريا؟ أليس الأمر يحتاج أن نلبي ما يسكنهم من رغبات لا تتعدى التبشير والإحساس بالتفاؤل ونتلطف عليه عند نقل ما لا يتواءم وهوى نفسه؟

قامت الثورة في تونس وبدأت تشق طريقها متقدمة. أوقعت في البلاد تغييرات :هزت الناس والعقول، وحركت سلوكهم وأفكارهم  كما يحرك المجذاف ماء البحر الهادئ. فأصبحت تستمع إلى أصواتهم هادرة ، وتتقبل كلماتهم مرتطمة لا يعجبهم المدح ولا يغنيهم الوعد تراهم معتصمين  ومضربين لا يفكون عن شكوى ولا يقطعون مع ألم، يطوقون البلاد بالمطالب ويتذمرون من خيبة الآمال.حتى يتسرب الشك إلى البعض في مقاصد ما يطلبونه أهو عن حاجة حقيقية أم رفض للواقع الجديد؟ 
يساعدنا في طرح السؤال ذاك أن التونسيين الذين قد عاشوا قبل الثورة هم أنفسهم يواصلون العيش بعدها. وأوضاعهم الراهنة من التهميش والفقر والإهمال والوعود الكاذبة هي ذاتها في العهد السابق. ومع ذلك فإننا لم نجد منهم نفس الدرجة من الاحتجاج والتعبير عن واقعهم المزري و السوداوي.لقد كانوا في الظاهر قابلين بما قيد الله لهم في الحياة يكتفون بما عندهم ويتمثلون حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : "من أصبح آمنا في سربه معافى في جسده عنده طعام يومه فكأنما حيزت له الدنيا " فيحمد الله على ذلك ويشكره وفي دفعة من الأحداث كأن ما اتصف به لم يكن وبات كثير التذمر ودائم الشكوى فمم تكون له ذلك؟ ومن أين نتج عنده؟
إن هذا الجديد عند التونسيين يصيبهم من جراء تلك الحساسية المفرطة عندهم يتفاءلون بسرعة ويتشاءمون أسرع : قدمت عليهم الثورة فبنوا عليها آمالا عالية وأحلاما زاهية ولكنهم يكتشفون الواقع غير ما يتصورونه وبنوا عليه آمالهم فيعودون بالسخط على من يرونه السبب : إنه صاحب الحكم الذي علق قلوبهم بالأمل ثم أخل بهم. ولسان حالهم يقول ما قاله الشاعر:
مــاذا لقيــت مـن الدنيـا وأعجبـه *** أنــي بمـا أنـا بـاك منـه محسـود
أمســيت أروح مــثر خازنـا ويـدا *** أنــا الغنــي وأمــوالي المواعيـد
قد يكون في ذلك نصيب  من الصواب ، ذلك أن الحكومات المتتالية قد أخطأت ولم تتصرف حسب الظروف والمقامات فأصابها ما يصيب الشعب في غالبه :ذهب عنهم صواب العقل ولم يقدروا الواقع بقدره ولم يفهموا المجريات الداخلية والخارجية ولم يحسنوا التواصل فأفلت الزمام من أيدينا جميعا وأولينا المصلحة الفردية َ عناية قبل المصلحة العامة بانين إياه على الفصل بينهما ولم ندرك أن الفائدة متى أصابت الكل انتفع الجزء بها وأن الحبات عندما تنفلت من عقدها فإن ضياع بعضها لن يرجع للعقد تنظمه الأول.
فتصبح الطامة الكبرى في فقد العقل صوابه لا ترجع إليه العامة ولا تحكمه ولا تعتبره ميزانها في التمييز بين الخير والشر وتصبح الحياة بعدمه لأنفع كما قال الشاعر
ما وهب الله لامريء هبة ... أشرف من عقله ومن أدبه
هما جمال الفتى فإن عدما      ... فإن فقد الحياة أنفع به
أزال الطمع في البلاد كل أثر للتفكير وأحدث غشاوات لم تعد تعرف بموجبها الصواب بل إن هذا الطمع في نيل الحكم وإقصاء الآخر جر وراءه مناصرين يرون ما يرى قادتهم يتبعونهم كالعميان من جهة ومعارضين ينزلون عليهم جام غضبهم ويسفهونهم ويهربون عنهم هربهم من الموبوء من جهة أخرى. كل يصدر منه عذب الحديث وشتى الحجج حتى أنك تقول الرأي ما رآه فلان. لا تظنن أن السلفي يحاورك ولم يتجهز بحججه وكذلك العلماني واللإسلامي والمندس وإلا ما كنا لنرى لهم أتباعا ما يعني أنهم يملكون الحجة ولكنني لا أدعي أنهم يملكون العقل الذي إذا تدخل أصلح ذات البين ولم يزد في الشقاق على منوال ما يحدث في تونس وفي مصر وغيرهما حتى ولو كان صاحب العقل عدوك كما يقول الشاعرُ
عدوك ذو العقل أبقى عليك ... وأبقى من الوامق الأحمق
إذن ما نراه لا يعكس أن الطبقات السياسية تسعى أن تحافظ على سلم البلاد وعلى هدوئها بل لا نراها إلا تختص في إشعال الأحداث وفي التجميع للفتن والانقسام في ميادين وساحات مختلفة إيذانا بفتح جديد يدعيه كل فريق ويتوهمه. فيهملون الدعوات الصريحة إلى نبذ الفتن ويتغاظون عن الأحاديث التي عرفت أن المسلمين اخوة ما يقرب بينهم أقوى مما يفرق : قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "مثَل المؤمنين في تَوادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحمَّى" وقال كذلك: "ألاَ أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟، قالوا: بلى، قال:إصلاح ذات البَيْن، فإنَّ فساد ذات البَيْن هي الحالقة"
ورُوِي عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال:"هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدِّين" أفبعد هذا القول لكل مسلم من بيان هل يصلح أن نخالف دعوة رسولنا في سبيل إرضاء غريزة تعمي عن العقل وتصمي وتنتج خلاف ما أمرنا به ربنا عز وجل: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الحجرات: 10].لقد فقد العقل صوابه فأصبحنا ننادي بالفتنة بدل الاعتصام بحبل الله جميعا.
مظهر آخر من مظاهر إفقاد العقل صوابه : هو ذاك التحامل وإلقاء التهم غير المضبوطة وإرفاقها بمعلومات كيدية يصطنعها أحد المنقسمين لأجل إسقاط الطرف الآخر وهو مبتهج يردد: هل بعد ذلك الوضوح وضوح آخر؟ لكن الغريب في الأمر أن أحدهما لم يسقط بل ما زلنا نتتبع حلقات هذا المسلسل الرمضاني ذي الأجزاء المتعددة التي ستتواصل ولن تعرف حدودها إلا بعودة العقل الذي فقد صوابه. حقيقة هؤولاء صناع الفتنة أبدعوا ما لم يقدر عليه غيرهم لقد أصابوا العقل بالجنون وأصبح مكانه الأولى مستشفى المجانين ولا عجب فقد فقد صوابه. انظر إلى المختلفين كيف يملأون رؤوسنا بالمعلومات حول نفس الحدث حتى أن العقل السليم نفسه يتشوش ويفقد قدرته على التعليل و التحليل والتصحيح والتبين حتى لقد كثر الفساق وبات لزاما علينا أن نتبين كل خبرٍ خشية أن نصيب قوما بجهالة لكن كم يلزمنا لنعرض هذه الأخبار على التبين؟الحقائق سوف تغادر أماكنها ولن يمكنك استرجاعها لأنها أصبحت من ممتلكات الماضي الذي غابت أدلته وأسراره. لعلهم أفلحوا وأفقدوا العقل صوابه وتركوا تونس تشتكي وتتألم ولا من يجفف دموع حزنها. أصابوها في مقتل كأنهم يرجون لها ما تنبأ به الزعيم المصلح لتونس عندما وضع عنوان كتابه "تونس الشهيدة" هكذا هي الأم أحينا تحمل ابنها وتضعه كرها وتسهر الليالي تجوع ويشبع وتمرض ويشفى ولكنه إذا ما بلغ الرشد فإنه يكافئها بالعقوق، كذلك تونس تحتضننا وفيها شهدنا مرابعنا ومراتعنا حيث لعبنا وشببنا لكننا نأتي اليوم لنغرس في حضنها سكاكيننا لتتألم هي ونبتهج نحن بما يتحقق لنا : لا أرضى بحكم الحاكمين وسأهزمهم وأسقطهم ، لا تعنيني المؤسسات إنها فاشلة سأمحقها المسار الديمقراطي ضعيف سأفنيه. تساله ما البديل يجيبك نعود إلى الصفر ثم سترون أننا سنجتمع ونتوافق ونسير البلاد كما نريد.
حقا فقد العقل صوابه ولم يعد يفقه قوانينه التي تقول إن الهدم والفساد سهل ولكن البناء والإصلاح كلاهما عسير ومن منا لم يجرب رؤية ما يتم هدمه في دقائق أو ساعات كم يستغرق وقت بنائه من أيام أو أعوام. لقد فقد العقل صوابه وما عاد سبيله واضحا. 
ما ذكرناه يصور أن دعاة الفتنة التي أمرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم ان نتركها فهي نتنة يتقنون الهجوم على ابن البلد من هو في حكم العدو فيذمونه ويشتمونه ولا يصحو ضميرهم فيعودون عما هم عليه بل يزيدون في غيهم ولا يستخدمون عقولهم فيدركون أن سب المسلم للمسلم حرام عليه أن لا يتناول دمه وعرضه ودينه ينبغي أن تأخذه به رحمة ويعلم أن لا سبيل للأهداف النبيلة التي يتبناها الجميع إلا اعترافنا بالآخر وتعايشنا معه. إنهم قد أحسنوا في شيطنة الاخر وهم أنفسهم يحسنون التملص من كل مسؤولية:تسألهم من قتل الشهيد؟ فيجيبون نحن أبرياء براءة الذئب من دم يوسف لكننا نعرف الجاني جريمته واضحة لا تحتاج إلى التحقيق إنهم الجالسون هناك. تسألهم من الفاشل؟ فيردون لسنا نحن بل هم الفاشلون أبناء الفشلة. تدعوهم إلى الوحدة فيسخرون منك ويقولون لك أورأيتنا مفترقين؟ تدعوهم إلى الحوار فيذكرون أنهم طالما تمسكوا به لكن الجانب الآخر يفشله. يذكرونني بقول الله عز وجل في المنافقين: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ، يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون. وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون. ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يعلمون.) [ البقرة : 8 - 12 ] هكذا يفقد العقل صوابه لأن الٍاي السليم يقول إن ٍايي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري صواب يحتمل الخير ويقول لا وجود للتعميم الذي يحصل إما كله شر وإما كله خير وإلا ما اعتبرنا البشر بشرا وصنفناه ملكا أو شيطانا لكن الواقع التونسي يخلو من ذلك أنا ملك وغيري شيطان.
يفقد العقل صوابه عندما يدعي كل أنه الوطني ويصم آذاننا بشعاراته ومدحه لتونس. لكنني أجبر على أن أستمع إلى الحديث فأصدق وارى الأفعال فأستغرب هل الوطني من يردد نشيد تونس داعيا على من يخونها وليس من جندها وهو يعيش فيها ثم يضرب ويشل الحركة ويغض البصر عن المهرب والمخطئ هل الوطني من يرضى السجن لغيره بسبب لحية اطالها ؟ هل الوطنية في أفعال الشغب وفي حرق المقرات ومنع الاجتماعات؟ 
يفقد العقل صوابه عندما يدعي بعضهم أنه المدافع عن الدين ثم يأتي ويشتم هذا ويكفر ذاك ويحرص على إقرار الحق بالقوة ويقدمه على القول الحسن فبدل أن يقرب ينفر وعوض ان يجمل يقبح : يسعى إلى الإصلاح ولكنه يفسد كمحمد بن تومرت خاطب الناس بالدين ودعاهم إلى إسقاط المرابطين أهل الكفر ودعاهم إلى القبول به حاكم الموحدين فماذا جنينا من دعوته سوى القسمة والتفكك أو الخسارة لبلاد الأندلس التي بدأت تعود ولاية واحدة تابعة للمرابطين؟ نعم بسبب إخلاص الموحدين في الدعوة إلى الله لكنهم بطريقة شديدة كانوا العامل الأساسي في فقدان الندلس وحدتها وأصبحت من جديد مفككة بين ملوك الطوائف. لا ننكر إخلاصكم أيها السلفيون لكن لابأس أن تراجعوا طرق دعوتكم للتةنسيين حتى تصبح أكثر ملاءمة لانتظاراتهم واتبعوا في ذلك سنة رسولنا صلى الله عليه وسلم.
يفقد العقل صوابه مع الطرف النقيض عندما يدعي أنه ينتسب إلى الحداثة ويدافع عن حق الآخر في حريته ثم تجده يصوب سهامه إلى فئات من أبناء الوطن ينادي بسجنهم وقمعهم جميعا غير مميزين بين من اقترفت يداه ذنوبا أو من أخذت يداه المكنسة ونظفت الشوارع. تجدهم أول المنادين بضرورة تكريس السلوك الديمقراطي ثم تراهم في أول فرصة يكفرون بالديمقراطية وينتجون العلل لعدم الاعتراف بنتائجها بل يتخذون إجراءات وينفذون حملات من شأنها أن تعطل السير الديمقراطي الذي يكادون ينفون انتساب غيرهم إليه. إنهم يضعون أنفسهم في صف المعارضة وينقدون الحكومة صباحا مساء بدعوى الدفاع عن مصالح الشعب المقهور الذي فقد في ظلها أي مقوم للعيش. نبارك ذلك منهم وننتظر منهم الحل والبديل غير أننا نكتشف أنهم أضعف من أن يملكوا جوابا يغطي النقص عند من في سدة الحكم.
اهل الحكم أنفسهم لا تخلو سيرتهم مما يفقد العقل صوابه يتبجحون علينا كلما ظهروا أنهم لم يأتوا على ظهر الدبابات وأنهم موجودون بسبب صندوف الانتخاب. هذا مقبول ولكن هل يعني هذا أنهم صنعوا لأنفسهم مناعة تحميهم إلى أبد الدهر؟ لا أظن أن الانتخابات وحدها الصانعة للشرعية بل إنها تحتاج إلى المشروعية التي تفتكها بالإنجازات ولا بالبقاء اليوم بكامله في الوزارات ولا تصنع ما يرضي عامة الناس. قد يخاطبون العقل هنا ويجدون التعلل بالتعطيلات الشعبوية والمعارضوية وقد يتعللون بالمرحلة الصعبة على البلاد وعلى المحيط الإقليمي والعالمي. لكنهم ينسون أن الشعوب لا تخاطب بالعقل وإنما آلة الحاكمين لإقناع محكوميهم ماذا أنجزنا. هكذا خلد التاريخ أمجاد السابقين الذين لم يظهروا في مراحل السلم والهدوء بل سيروا بلدانهم وقت الحروب والنزاعات والأمراض الاجتماعية صارعوها كلها وانتصروا عليها وأقاموا الحجة أنهم الأجدر بالحكم. 
إذن أيتها الحكومة لم ينتخبك الشعب لتقدمي له  الأعذار بسبب الفشل بل لتصنعي له المعجزات وتنيري السبيل للإصلاح القادم ككل بناة الدول غاندي ولينين ومانديلا وحتى بورقيبة جميعهم بنوا أمجادهم في ظل التعثر والفراغ والفزع الأمني جميعهم قدموا المثال في العزيمة وفي النجاح فماذا قدمتم من أمثلة سوى أنكم تشتكون وتعبرون عن عجزكم وتمنون علينا أنكم أخذتم الحكم في وقت تنوء الجبال عن أخذه.
تسجلون علينا أنكم حكام الثورة ولم تقدموا إنجازات ذات بال تعكس فعلا أنكم حكام الثورة. دُعيتم إلى إصلاحات ثورية في كل القطاعات فلم تلتزموا بها وطولبتم بالعمل على تخليص البلاد من آثار الفساد الذي عشش عندنا منذ عقود فأذررتم الرماد علينا ببضع شخصيات سجنتموها وتعللتم بأن سابقكم رشق لكم الأشواك ونثر العقارب في الطرق فماذا تصنعون أنتم إذن إذا لم نكونوا مؤهلين لفض هذا كله.
الخطاب القاسي ضد الحكومة لا يعني الوقوف في صف المعارضة بل العكس إنها تتحمل مسؤولية اخلاقية لأن ذنب من في الحكم العجز والضعف وأياديهم المرتعشة بينما ذنبكم أيها المعارضون تحملون معاولكم وفؤوسكم لا للحرث وحفر قواعد البناء بل للمشاركة في الهدم وقلع الجذور وشتان بين من يهدم ومن يعجز. 
للأسف تلك قوانين الحياة أدوات الهدم فيها أنجع من أدوات البناء دوما لذلك فإن المعارضة قد ولت نفسها إلى مهمة إسقاط الحاكمين وسخرت الأموال والشحن والإعلام الذي كان ضدها فأصبح يواليها والسبب أنهم استفاقوا على عدو مشترك حاكم يدعي أنه يحكم باسم الدين. فأصبحت ترى نتيجة ذلك المنبر نفسه والمصدح ذاته والاستوديو عينه بالبشر المشرفين جميعهم ينقلبون دفعة واحدة ويخاطبون من القنوات نفسها جمهورهم بلغة مخالفة للغتهم في العهد السابق ومنع الصحفيون أن يملك أحد أمرهم ودافعوا عن ذلك في دار الصباح وفي المؤسسة الإعلامية العمومية فلم يسمحوا لغيرهم أن يتدخل فيهم بتعلة أنهم هم من سيبادرون إلى الإصلاح فإذا بهم يكسبون معركة حرية الإعلام ويصطنعونها سلاحا يحفضون به مركزهم ويفرقون الحقائق بحسب برامجهم ويقفون مع هذا وضد ذاك غير عابئين بشروط المهنية والحرفية والمصداقية وغير منتبهين لدورهم الحقيق في خدمة المواطنين وإنارة سبيلهم وتهدئة الأوضاع متى تجاوزت حدها واللفت للأنظار إذا غفلت عن جوهر اهتماماتها إلى التوافق والوحدة وإصلاح التعليم والضغط من أجل وضع خطة تنمية واضحة المعالم واستقصاء الأخبار الواردة لمعرفة الحقيقة وعدم وقوفها في مستويات الاتهامات العامة . الخلاصة أن وظيفة الإعلام اتجهت في تونس وفي مصر إلى التلاعب بالعقول والقلوب وساهمت في أن يفقد العقل صوابه فلا يميز بين الحق والباطل بل إن وسائل الإعلام تعودت التضخيم حتى تغلب الواقعة الصغيرة أو الكبيرة صورة الوضع العام فتصبغها بحالتها: يخيل إلى متتبعيها أن تونس في فوضى عارما لا يستتب إليها الأمن تكاد تفقد أبسط مقومات الحاة في حين أن الموقف في الواقع مجانب لذلك حيث الحركة اليومية تسير حركتها العادية من عمل وتعليم وتسوق وسفر وسياحة مع بعض الحذر.
لقد أصاب الإعلام التونسي بوسائله في صنع الأحداث المعتمدة على المبالغة وعلى استدعاء شخصيات الإثارة والتهديد والبكاء وفي المقابل وصد الأبواب أمام النوابغ وأمام القامات والخبراء إلى درجة أننا اعتدنا على تجهيز أنفسنا إلى الإنصات إلى عدد من الشخصيات القليلة هي نفسها تتجول بين الإذاعات والتلفزات لا لتبشر بل لترعب الناس وتروعهم من المصير السود الذي يهددهم منذ ثلاثة أعوام ولما يحل بهم. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " من روع مؤمنا لم يؤمن الله عز وجل روعته يوم القيامة."  فمتى ينتهي ذاك الخطاب التعبوي والترويعي ويحل محله الخطاب الهادئ والتوعوي الذي يرشد التونسيين نحو الأفضل برغم الظروف الصعبة التي تمر بها بلادنا؟ 
ليتحقق ذلك يجب أن يعود للعقل صوابه ويميز للتونسيين ما به صلاحهم وفسادهم ويخاطبهم القادة بلغة العقل لا بلغة الطمع والحقد والكراهية ينبغي أن تصدر من الشعب حملة واسعة لنبذ الحاقدين والمعرقلين يجب أن يستثمر التونسيون ما أثبتته التجارب من طباع خيرة فيهم ظهرت من هبات للأسف بدت مناسبتية وليست عادة جارية ٍاينا الهبة الأولى مع هروب بن علي وانسحاب الشرطة كيف انضم كل التونسيين إلى بعضهم وحملوا آلات الدفاع البسيطة يحمي فيها السلفي اليساري وياخذ فيها الفار من السجن بيد جارته أم البنات اليتامى. لكن هذه التجربة تمر ولا نستثمر محاسنها فتنقلب إلى تفكك وانقسام وفتنة.
الهبة الشعبية الثانية تمثلت في إقبال التونسيين معظمهم ليقفوا جنبا إلى جنب مع إخواننا اللاجئين من ليبيا ولم يسألوهم أمعكم سلاح أم معكم أموال بل العديدون فتحوا ديارهم واستقبلوا فيها العائلات الليبية وبالتوازي تدافع الناس لتقديم قوافل المساعدات الى اللاجئين في المخيمات فاعتززنا جميعنا من جديد بعد الثورة أننا تونسيون فسهم تلك النحة الكبيرة للخير التي أطلت من جديد في مساعدة التونسي لأهله من أبناء الوطن بعد أن أغدق الله علينا من خيراته وسقانا ماء غدقا نتذكر أن الإعلام وظفه بطريقة رخيصة لكن المواطنين الخيرين سارعوا من جميع الأنحاء وقدموا لإخوانهم ممن سموهم بالمنكوبين في ذلك الوقت فكانت تلك الهبة الثالثة.
هذه الهبات التي تم ذكرها مثال للحياة التي نريدها أن تسود في البلاد وتعمر تغلب حياة التكافل والتقارب على حياة الانشقاق والانقسام تساعد على الفعل الحسن لا الفعل المدمر ينبغي لتلك الاندفاعات أن تكون المثال والدرس ولدفع التونسيين نحو المصلحة  واستخدام العقول.
نتساءل ختاما أين نحن من تلك الهبات الثلاث ونحن نعيش لحظة فارقة تعرف بلادنا فيها الاغتيالات السياسية والقتل الغادر لأبناء من وطننا أو من جنودنا على الجميع أن يستفيقوا ويعيدوا للعقل اعتباره قبل أن نصبح محتاجين إلى أخذ العبرة ونحن في عمق الأزمة ولا نجد حلا ولا نريد أن ينطبق علينا القول:" إذا أراد الله نفاذ قضائه وقدره سلب ذوي العقل عقولهم فإذا أنفذ قضاءه وقدره رد عليهم عقولهم ليعتبروا"
 نزار الديماسي